أنّهم وجدوا التنافي بين الآيتين ، بحيث لم يمكن الجمع بينهما تشريعيّا ، ومن ثمّ أخذوا من الثانية المتأخّرة نزولا ناسخة للأُولى .
ويجب أن يكون التنافي بين الآيتين كلّيّا - على وجه التباين الكلّي - لاجزئيّا وفي بعض الوجوه ، لأنّ الأخير أشبه بالتخصيص منه إلى النسخ المصطلح ، وقد تسامح بعض الباحثين ، فأخذ من ظاهر التنافي - ولو جزئيّا - دليلًا على النسخ ، فقال بنسخ العامّ بالخاصّ ونسخ الإطلاق بالتقييد « 1 » ولكن عمدة عذره هبوط مستواه العلمي في مبادئ علم الأُصول .
* * * ( ملحوظة ) : يشترط في هذا القسم الثالث ، وجود نصّ صحيح وأثر قطعيّ صريح ، يدعمه إجماع القدامى . إذ من الصعب جدّا الوقوف على تأريخ نزول آية في تقدّمها وتأخّرها ، ولا عبرة بثبت آية قبل أُخرى في المصحف ، إذ كثير من آيات ناسخة هي متقدّمة في ثبتها على المنسوخة ، كما في آية العِدَد برقم : 234 من سورة البقرة ، وهي ناسخة لآية الإمتاع إلى الحول برقم : 240 من نفس السورة ، وهذا إجماع .
كما أنّ التنافي - على الوجه الكلّي - لا يمكن القطع به بين آيتين قرآنيّتين سوى عن نصّ معصوم ، لأنّ للقرآن ظاهرا وباطنا ومحكما ومتشابها ، وليس من السهل الوقوف على كنه آية مهما كانت محكمة .
هذا . . . وقد أخذ سيّدنا الأُستاذ رحمه الله من هذا الأخير مستمسكا لنكران هذا النحو - الثالث - من النسخ ، قال : والتحقيق أنّ هذاالقسم من النسخ غير واقع في القرآن ، كيف وقد قال اللّه عزّوجل :
« أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » .
« 2 »
لكن سنبيّن : أن لا تنافي بين الناسخ والمنسوخ في متن الواقع ، وإنّما هو تناف ظاهريّ ، إذ الحكم المنسوخ هو في الحقيقة حكم محدود في علم اللّه من أوّل تشريعه ،
هامش
( 1 ) - سيبدو ذلك عندما نستعرض الآيات المنسوخة .
( 2 ) - النساء 82 : 4 . راجع : البيان في تفسير القرآن ، ص 306 .