أتمّ عناية واشتهروا في قراءة القرآن وإقرائه ، حتى صاروا في ذلك أئمّة يقتدى بهم ويرحل إليهم ويؤخذ عنهم .
وهكذا أجمع المسلمون من أهل البلاد ، وكان أهل كلّ بلد يأخذون من القارئ الذي حلّ بينهم ، ويتلقّون قراءاتهم بالقبول ، ولم يختلف عليهم اثنان ، ولتصدّيهم للقراءة نسبت إليهم .
وممّن اشتهر منهم بالمدينة : أبو جعفر يزيد بن القعقاع ، ثمّ شيبة بن نصّاح ، ثمّ نافع بن أبي نعيم .
وبمكّة : عبداللّه بن كثير ، وحميد بن قيس ، ومحمد بن محيصن .
وبالكوفة : يحيى بن وثّاب ، وعاصم بن أبي النجود ، وسليمان الأعمش ، ثمّ حمزة ثمّ الكسائي .
وبالبصرة : عبداللّه بن أبي إسحاق ، وعيسى بن عمر ، وأبو عمرو بن العلاء ، ثمّ عاصم الجحدري ثمّ يعقوب الحضرمي .
وبالشام : عبداللّهبن عامر ، وعطيّة بن قيس ، وعبداللّه بن المهاجر ، ثمّ يحيى بن الحارث الذماري ، ثمّ شريح بن يزيد الحضرمي .
والقرّاء بعد هؤلاء كثروا وتفرّقوا في البلاد وانتشروا ، وخلفهم أُمم بعد أُمم عرفت طبقاتهم - حسبما تقدّم إجماليا - واختلف صفاتهم وسيرتهم في الأخذ والتلقّي والقراءة والإقراء ، فكان منهم المتقن للتلاوة ، مشهورا بالرواية والدراية ، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف . وكثر بينهم لذلك الاختلاف ، وقلّ الضبط ، واتسع الخرق ، وكاد الباطل يلتبس بالحقّ - على حدّ تعبير ابن الجزري - « 1 » فقام جهابذة علماء الأُمّة ، وكبار الأئمّة ، فبالغوا جهدهم في التمحيص وتمييز الصحيح عن السقيم ، والمشهور عن الشاذّ بأُصول أصلوها وقواعد رصفوها ، وأصبحت القراءة ، بذلك فنّا من الفنون ، له قواعد متقنة وأُصول محكمة ، وفيه الاجتهاد والاختيار . وقد شرحنا طرفا من ذلك في فصل سابق .
هامش
( 1 ) - راجع : النشر ، ج 1 ، ص 9 .