باطلة في نفسه لتبدو له بصورة وحي ، أويلقي عليه إبليس مايظنّه وحيا من اللّه ؟
والأكثر في الموضوع الأوّل جعلوا من النبيّ صلى الله عليه وآله مرتاعا في أوّل أمره ، خائفا على نفسه من مسّ جنون ، عائذا إلى أحضان زوجه الوفيّة ، لتستنجد هي بدورها إلى ابن عمّها ورقة بن نوفل ، فيطمئنّه هذا بأنّه نبيّ ويؤكّد عليه ذلك حتى يطمئن ويستريح باله .
أمّا الموضوع الثاني فقد أجازوا الإبليس أن يتلاعب بوحي السماء فيلقي على النبيّ مايظنّه وحيا - كما في حديث الغرانيق - لولا أن يتداركه جبرائيل فيذهب بكيد الشيطان .
وقد ذهب أئمّة أهل البيت عليهم السلام في كلا الموضوعين مذهبا نزيها ، وجعلوا من النبيّ صلى الله عليه وآله أكرم على اللّه من أن يتركه إلى إنسان غيره ولاينير عليه الدلائل الواضحة على نبوّته الكريمة في تلك الساعة الحرجة . كما لا يدع للشيطان أن يستحوذ على مشاعر نبيّه الكريم :
« وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ »
. « 1 »
هذا . . . ويجدر بنا ونحن نحاول تنزيه جانب رسولاللّه صلى الله عليه وآله ممّا ألصقوه بكرامته ، أنّ نتكلّم في كلا المجالين بصورة مستوفاة ، كلًّا على حدة .
النبوّة مقرونة بدلائل نيّرة
يجب على اللّه - وجوبا منبعثا من مقام لطفه ورأفته بعباده - أن يقرن تنبيئه إنسانا بدلائل نيّرة لا تدع لمسارب الشّك مجالًا في نفسه ، كما أرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، ليكون من الموقنين . « 2 » وكما « نوديَ يامُوسى . إِنّي أَنا رَبُّكَّ » « 3 »
« يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
« 4 »
« يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ »
. « 5 »
هذا هو مقتضى قاعدة اللطف ، وقد بحث عنها علماء الكلام ، « 6 » وتتلخّص في تمهيد سبيل الطاعة . فواجب عليه تعالى أن يمهّد لعباده جميع مايقرّبهم إلى الطاعة ويبعدهم عن
هامش
( 1 ) - الطور 48 : 52 .
( 2 ) - مقتبس من الآية 75 من سورة الأنعام .
( 3 ) - طه 11 : 20 - 12 .
( 4 ) - النمل 9 : 27 .
( 5 ) - النمل 10 : 27 .
( 6 ) - علم منشعب عن الفلسفة الحكميّة ، يبحث عن أحوال المبدأ والمعاد في ضوء العقل وإرشاد الشريعة .