فصل الدين عن الدولة
* في الفكر الحديث والمعاصر
- بفصل الدين عن الدولة نجد القاعدة التي تجعل الإنسان حرّا في معتقده الديني ، لكنه يخضع للشرائع التي أنتجتها عقول إنسانية ، وهبها اللّه لا ليعطلها بل لتخدم المجتمع الإنساني . ( أنطون سعاده ، المسألة اللبنانية ، 155 ، 10 ) .
- إن مبدأ الفصل بين السلطة الروحية والسلطة الدنيوية مقرّر في الإسلام منذ البداية . ليس هناك داع لانتظار إصلاح ديني لتقرير هذا المبدأ كما حدث في المسيحية . إذا وجد إصلاح فهو ليس لإحداث الفصل ولكن لمقاومة الظن الخاطئ بالخلط بينهما ، وهو خطأ خطير يروّجه بعض الطغاة ويستغلّونه لكي يصبغوا سلطتهم الاستبدادية بصبغة دينية . ( السنهوري ، فقه الخلافة ، 193 ، 4 ) .
- لا نستطيع أن نفصل بين الدين والدولة . هنا مكمن الخطأ الذي ارتكبناه في الماضي . إننا أمام وحدة آدمية لا تتجّزأ . يعني أن الإنسان غير قادر على أن يكون للدولة غير ما يكونه للدين أو لنقيضه . بذلك نساق إلى إلغاء الفارق الذي قيل إنه كائن بين الفرد والمجتمع . لا وجود للفرد بمعزل عن المجتمع . ولا وجود للمجتمع بمعزل عن الفرد . نحن لسنا حيال الفرد من جهة ، وحيال المجتمع من جهة . لسنا حيال إمكان الإنسان أن يكون حينا لفرده وحينا لمجتمعه .
إن المناداة بفصل الدين عن الدولة يستند إلى مبدأ هذا الفصل . وهو مبدأ خاطئ . يكفي أن يحب الإنسان ، أو أن يبغض ، أو أن يتألّم ، أو أن يحرم ، أو أن يلحد ، لتنعكس جبرا هذه الحالات الفردية ، في حياته الاجتماعية . ( كمال الحاج ، الطائفية البنّاءة ، 54 ، 15 ) .
- إن فصل الدين عن الدولة نغمة ولدت في الغرب للخلاص من القيود الكنسية على حريقة العقل والضمير ، ثم نقلت إلى الشرق كي تمهّد العقبات أمام الزحف الاستعماري .
وتهدّ قلاع المقاومة الهائلة التي ثارت في وجهه . . . أي إنهما كلمة قيلت هناك للحدّ من طغيان رجال الدين . وتقال هنا لهدم دين كامل ، والإتيان على بنيانه من القواعد .
( محمد الغزالي ، الكفاح الديني ، 27 ، 13 ) .
* في الفكر النقدي
- القول بفصل الدين عن الدولة لا يعني فصل الدين عن المجتمع والشعب ، ولعلّ المفهوم الأول ضمانة لممارسة الثاني ، وهذا على كل حال ما يمكن استخلاصه من دراسة مسار الدولة والدين في المجتمعات الأوروبية أو التي تفرّعت عن هذه المجتمعات . وليس من الضرورة بشيء أن يتكرّر هذا النموذج في المجتمعات الأخرى كالمجتمع العربي المسلم ، مثلا ، فقد سبق وقلنا إن فصل الدين عن الدولة مفهوم مسيحي يرتكز على المبدأ القائل بالفصل بين « ما لقيصر وما للّه » ، أي الفصل بين مملكة القيصر ، أي الإنسان ، ومملكة اللّه ، الخالق . وهذا أمر متوقع إذ إن الشعوب لا تتغيّر إلّا من خلال تراثها وتقاليدها لا من خلال تراث وتقاليد