أو معان مجرّدة تجريدا تاما ، فأصبحت ألفاظ ومصطلحات هذا العلم أشبه بمصطلحات المنطق الذي عدّ آلة ومعيارا للتفكير ، فكانت مصطلحات أصول الفقه :
أدوات تجريدية تضبط أدلة الاجتهاد والتشريع والحكم وفهم النص الديني ، أي حضور المعنى الإلهي في الذهن وفهمه . فانبثقت عن ذلك آليات التفسير والتأويل ومصطلحاتهما مع ما رافق ذلك من ضبط للحروف والأدوات ووضعها موضع المصطلح والرمز اللغوي . فلا غرابة إن قيل إن وضع العبارات الجديدة في اللغة يكون عند التعبير عن وقائع جديدة . ولعلّ كثرة وقائع مسائل الفقه ومستجدات الحياة والجدل هيّأت جميعها لوقائع ومعان حادثة ، فاغتنى علم أصول الفقه بهذا النتاج المصطلحي الذي شهدناه على يد أئمته فيما يزيد على ألف سنة ونيف من عمر الثقافة العربية والإسلامية . وإذا كان مفاد المصطلح : « إخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما » . كما قال الجرجاني ، فإن مصطلح أصول الفقه هنا أحدث نقلة كبيرة في اللغة العربية دفع أسماءها نحو التجريد في المعاني بعد أن كان تأسيسها قد قام على المحسوس المجرّب . ولا غرو في أن هذا المصطلح الصادر صدورا ذاتيا من نبعة الذهنية العربية وتجربتها شكّل خزانا غنيا في مفرداتها وسياقها وانبناء نحوها وظهور تقعيدها .
لذا إذا أمعنا النظر نجد علاقة تفاعلية تبادلية بين المعنى والمبنى ، فالمعنى ينصاغ باللغة بحيث يتقولب فيها ، أي تضفي عليه خصوصيتها التركيبية وخلفيتها المعرفية ، واللغة تتحدّد بالمعنى الذي يؤثّر فيها تبعا للعقل العارف الذي أنشأ المعنى ، وللذهنية التي ولّدته . ولا سيما أن اللغة انبنت تبعا لذهنية مستعمليها والناطقين بها ، فحملت معارفهم ، إنها بعد تركيبي ، لكنها معرفي تاريخي أيضا لم يضعه الفرد ، فهي خارجة عنه فاعلة فيه .
إذا ، يخضع المصطلح في نشوئه لبنيتي المبنى والحقل الدلالي ، ومن ثمّ ينقلهما نحو فهم جديد وتفعيل حادث .
نشأة علم أصول الفقه وكنهه
اتفق على كون الإسلام مجموعة من العقائد الدينية الإيمانية ، والأخلاق ، والأحكام العملية ، انسكبت جميعها بالعربية فتقولبت بقالبها وانطبعت بطبعها .
أما الأحكام العملية فاستندت في عهد الرسول على ما ورد في القرآن الكريم