كما في أمة موسى عليه السلام ظاهرا وفي هذه الأمة باطنا ، وهذا الانتقال على وجه النزول لا ينافي ما ذكرناه آنفا ، من توجّه كل نفس إلى ما فوقها ، وذلك لأنّ الخروج من القوة إلى الفعل في شيء من الكمالات الحيوانية لا ينافي الشقاوة في الآخرة بل يؤكّده ، فإنّ الطرق إلى الدار الآخرة متفاوتة ، بعضها طرق السعادة والوصول إلى دار الكرامة والقرب من عند اللّه ، وبعضها طرق الشقاوة والوصول إلى دار الانتقام والبعد من رضوانه . ومما ورد في مسخ الباطن لهذه الأمة هو قول النبي صلى اللّه عليه وآله في حق طائفة : " إخوان العلانية أعداء السريرة ، يلبسون جلود الكباش وقلوبهم كالذئاب ، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمرّ من الصبر " .
( سري ، 149 ، 11 )
- بفضل اللّه وإلهامه علمنا ببرهان قوي على نفي التناسخ مطلقا سواءا كان بطريق النزول أو الصعود ، وهو إنّ النفس كما علمت مرارا لها تعلّق ذاتي بالبدن والتركيب بينهما تركيب طبيعي اتّحادي وإنّ لكل منها مع الآخر حركة ذاتية جوهرية ، والنفس في أول حدوثها أمر بالقوّة في كل ما لها من الأحوال وكذا البدن ، ولها في كل وقت شأن آخر من الشؤون الذاتية بإزاء سنّ الصبا والطفولية والشباب والشيخوخة والهرم وغيرها ، وهما معا يخرجان من القوّة إلى الفعل ، ودرجات القوّة والفعل في كل نفس معيّنة بإزاء درجات القوّة والفعل في بدنها الخاص به ما دام تعلّقها البدني ، وما نفس إلّا وتخرج من القوّة إلى الفعل في مدّة حياتها الجسمانية ، ولها بحسب الأفعال والأعمال حسنة كانت أو سيّئة ضرب من الفعلية والتحصّل في الوجوب ( الوجود ) ، سواءا كان في السعادة أو الشقاوة ؛ فإذا صارت بالفعل في نوع من الأنواع استحال صيرورتها تارة أخرى في حدّ القوّة المحضة ، كما استحال صيرورة الحيوان بعد بلوغه إلى تمام الخلقة نطفة وعلقة ، لأنّ هذه الحركة جوهرية ذاتية لا يمكن خلافها بقسر أو طبع أو إرادة أو اتّفاق ؛ فلو تعلّقت نفس منسلخة ببدن آخر عند كونه جنينا أو غير ذلك يلزم كون أحدهما بالقوّة والآخر بالفعل ، وكون الشيء بما هو بالفعل بالقوّة ، وذلك ممتنع لأنّ التركيب بينهما طبيعي اتّحادي ، والتركيب الطبيعي يستحيل بين أمرين أحدهما بالفعل والآخر بالقوّة .
( سفع ( 4 / 2 ) ، 2 ، 10 )
- إنّ النفس ما دامت تكون ضعيفة الجوهر خسيسة الوجود تحتاج إلى مقارنة البدن الطبيعي كسائر الصور والأعراض ؛ فإذا كان الأمر بينهما على هذا النحو كان التلازم في الوجود والمعيّة الذاتية بينهما على الوجه الذي تقدّم ذكره في مبحث تلازم الهيولى ثابتا لا محالة ؛ فكان زوال كل منهما يوجب زوال الآخر ، ولكن لما كان للنفوس البشرية نحو آخر من الوجود غير الوجود التعلّقي الانفعالي الطبيعي سواءا كان عقليّا محضا أو غيره ففسادها من حيث كونها نفسا أو صورة آخر طبيعية
موسوعة مصطلحات صدر الدين الشيرازي — صفحة 261
مساهمون: سميح دغيم
ص٢٦١