يوجب استفراغا لمواده الفاسدة كالحجامة وغيرها من استغنائه عن ذلك ، فكذلك الباري يكلّف عباده مع كونه غنيّا عن العالمين . ثم إنّ نفس التكليف يتناول الدواء من الطبيب لا ينافي علمه بعدم تناول المريض له ، فكذا تكليفه تعالى لا ينافي تحقّق علمه الأزلي وقضائه السابق بعدم قبول بعض العباد تكليفه لما في ذلك من المصلحة الكلّية والفائدة . فإن رجعوا قالوا : " فما الفائدة في التكليف في حقّ من لا يقبل ذلك من الكفّار والفسّاق ، حيث لم يتعلّق المشيئة الأزلية بقبولهم ، بل تعلّقت بعدم قبولهم " ؟ قلنا : فائدته يرجع إلى من سواهم من المؤمنين المطيعين ، الذين يؤثّر فيهم الدعوة والتكليف والإنذار والتخويف
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها
( النازعات : 45 ) كما أنّ فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحيحة . وأما فائدة ذلك بالنسبة إلى من ختم اللّه على قلوبهم وعلى أبصارهم غشاوة فكفائدة نور الشمس بالنسبة إلى الأكمه الأعمش .
( تفسق ( 4 ) ، 146 ، 6 )
- السؤال عن حكمة التكليف بالمعرفة والطاعة ، والغاية في ذلك ، وكذا ما يتوقّف عليه التكليف من بعث الأنبياء والرسل وإنزال الوحي والكتب ؛ فالجواب عنه : إنّ الحكمة والغاية في ذلك تخليص النفوس من أسر الشهوات وحبس الظلمات ، ونقلها من حدود البهيمية والسبعية إلى حدود الإنسانية والملكية ، وتطهيرها وتهذيبها بنور العلم وقوة العمل عن درن الكفر والمعصية ورجس الجهل والظلمة ؛ ولا ينافي عموم التكليف عدم تأثيره في النفوس الجاسية والقلوب القاسية كما أنّ العلّة في إنزال المطر هو إخراج الحبوب وإنبات الثمار والأقوات منها ؛ وعدم تأثيره في الصخور القاسية والأراضي الخبيثة لا ينافي عموم النزول . واللّه أجلّ من أن يعود إليه فائدة في هداية الخلق كما في إعطائها أصل خلقه ، بل هو
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
( طه : 50 ) من غير غرض أو عوض في فضله وجوده .
( رسف ، 389 ، 8 )
تكليف ووعد ووعيد
- قلنا : فائدة التكليف والوعد والوعيد ، تحصيل الشوق الذي هو مبدأ الإرادة للأفعال الجميلة ، فإنّ المراد ههنا بالإرادة هي العزيمة الباعثة الجازمة على الفعل أو الترك ، فإذا أدركنا شيئا وعلمناه ؛ فإن اعتقدنا ملائمة أو منافرة لنا دفعة بالتوهّم أو ببديهة العقل ، أنبعث منه شوق إلى جذبه أو دفعه يتبعه إرادة ، فإذا انضمّت إلى المقدرة انبعثت تلك القوّة لتحريك الأعضاء ليحصل الفعل بالاختيار . وإن لم نعتقد بالضرورة ، الملائمة والمنافرة ، أعملنا الروية واستعملنا القوى الدرّاكة لطلب الترجيح بإرادة عقلية أو وهمية .
( تفسق ( 1 ) ، 240 ، 22 )
تكليم اللّه
- تكليم اللّه عباده عبارة عن إفاضة العلوم على نفوسهم بوجوه متفاوتة كالوحي