الحرارات الغريزية الطبيعية ، والغريبة الداخلة ، والمطيفة بالبدن الخارجة .
وبالجملة حقيقة الإنسان ليست إلّا ذاته المجرّدة ، وكل ذات إنّما يكون هلاكها في نقصها وضعفها وآفتها ومجاورة ضدّها وبقائها في كمالها وقوّتها وصحّتها ومجاورة أشباهها ، ولكل شيء كمال خاص ، فكمال القوّة الشهوية نيل المشتهيات واللذائذ الحسّية ، وكمال القوّة الغضبية الظفر بالانتقام ، وكمال القوّة الحسّية إدراك المحسوسات ، وكمال القوّة المتخيّلة تصوير المتمثّلات ، وكمال الواهمة الظنون والرجاء . ( تفسق ( 6 ) ، 281 ، 13 )
- إنّ الإنسان وإن كان بحسب النشأة الحسّية نوعا متشابها أفراده ، متماثلا أعداده ؛ إلّا أنّه عند خروج أعداد نفوسها من القوّة الهيولانية إلى فعل الصور الباطنية سيصير أنواعا متخالفة بحسب غلبة الصفات ورسوخ الملكات ، كل نوع من جنس ما يغلب عليه من صفات البهائم أو السباع أو الشياطين أو الملائكة ، إذ قد خمّر في طينه الإنسان من جهة قوّته العلمية المتشعّبة إلى العاقلة المدركة للكلّيات بذاتها ، والواهمة المدركة للجزئيات بآلاتها الخيالية الحسّية والعملية الشوقية المتشعّبة إلى قوّة الشهوة لطلب الملائم ، وقوّة الغضب لدفع المنافر . ( تفسق ( 7 ) ، 431 ، 9 )
- مما يدلّ على كون الإنسان متّحد الماهيّة في النشأة الدنيا والفطرة الأولى ؛ متخالف الحقائق في النشأة الأخرى والفطرة الثانية من جهة سبق أعمال واعتقادات وملكات قوله تعالى :
وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا
( يونس : 19 ) . وقوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
( النحل :
93 ) وقوله :
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً
( النبأ : 18 ) . ( تفسق ( 7 ) ، 433 ، 9 )
- اعلم أنّ الخلق كالإنسان اتّصف أولا بالوجود ، ثم بالقدرة ، ثم الإرادة ، لأنّه قد
أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
( الإنسان : 1 ) . وهو - أي عدم كونه شيئا مذكورا - أشدّ مرتبة له في المعدومية والفقدان ؛ ثم صار أمرا ما بالقوة كالهيولى الأولى والجسمية المبهمة الوجود ، ثم تصدر بصورة التراب وهي أحسن الصور ، ثم بصورة سلالة من ماء مهين ، وهكذا حتى صار جنينا تلجه الحياة والروح وقوة الحركة ، ثم يصير طفلا سميعا بصيرا ، ثم يقوى ويبلغ أشدّه ، ويظهر منه ، ويخرج من القوة إلى الفعل ، القوة العقلية المميّزة بين الضارّ والنافع ، فيصير بعد حصول هذه القوى مريدا للنافع وكارها للضارّ . ( رسر ، 299 ، 9 )
- إنّ حقيقة الإنسان نوع واحد في هذه النشأة ، وأنواع كثيرة في النشأة الثانية غير محصورة في عدد ، إلّا أنّ أجناسها أربعة ، لأنّها أمّا أن تصير من جنس الملائكة إذا غلبت عليه صفة العلم والحكمة ؛ وإمّا أن تصير من جنس الشياطين إذا غلبت عليها الشهوة ، أو من جنس السباع إذا غلبت