الحقّ بقوله : " كن " وأطاعوا أمره ، وقالوا : سمعنا وأطعنا ودخلوا في دار رحمته وبلدة جوده ونعمته ، كما قال مخاطبا للسموات والأرض :
ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
( فصلت : 11 ) .
وأمّا المخاطب بالأمر التشريعي والخطاب التكليفي فلا يكون إلّا ضربا من النفوس الإنسانية حين وجودها العنصري ، وكونها الدنياوي وبلوغها النفساني وكمالها البدني . ( تفسق ( 4 ) ، 383 ، 6 )
- " الأمر " هو وجود الأشياء في أنفسها ، وتدبير الوجود المطلق من اللّه تعالى هو إفاضته بالفيض الإيجادي المعبّر عند بعض العارفين بالنفس الرحماني ، فإنّ علمه تعالى بالأشياء عين موجوديّته لها .
( تفسق ( 6 ) ، 42 ، 13 )
- إنّي أقول ( الشيرازي ) - والعلم عند اللّه - يحتمل أن يكون " الأمر " في قوله :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
( السجدة : 5 ) إشارة إلى الروح الإنساني لقوله تعالى :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
( الإسراء : 85 ) وذلك لمروره على مراتب الموجودات عند خروجه عن مقام الفطرة الأصلية ونزوله في العالم الأرضي بحسب الانسلاخ عن عالمه الأعلى ، ثم عروجه من هذا العالم الأسفل بحسب العلم والعمل - إن ساعده التوفيق من الأزل - إلى مقامه الأصلي لقوله سبحانه
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
( التين : 4 - 6 ) . وكون بدو وجود الروح الإنساني من عالم القدس لا ينافي قوله تعالى :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ
( السجدة : 7 ) لأنّ الخلق لكونه بمعنى التقدير عبارة عن جسمية الإنسان وقالبه ، وفطرة الروح غير فطرة البدن ، لأنّ بداية أحدهما من التراب وبداية الآخر من رب الأرباب ، ما للتراب وربّ الأرباب .
( تفسق ( 6 ) ، 44 ، 10 )
أمر إبداعي
- أعلى ضروب الكلام هو الأمر الإبداعي
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
( القمر : 50 ) وهو عالم القضاء الحتمي
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
( الإسراء :
23 ) والأوسط هو الأمر التكويني وهو عالم القدر
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
( القمر : 49 ) والإنزال هو الأمر التشريعي التدويني
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً
( الشورى : 13 ) . ( سفع ( 3 / 2 ) ، 6 ، 23 )
أمر إبداعي وإرادة أزلية
- لا يقال : ليس تولية الشيء ما تولّاه عدلا من كل وجه ، بل حيث يكون ذلك التولّي من رشد وبصيرة ، فإنّ السفيه قد يختار لنفسه ما هو شرّ بالنسبة إليه وضرّ لجهله وسفاهته ، ثم لا يكون توليته إيّاه عدلا وحكمة - بل ظلما وجورا - وإنّما العدل والحكمة والشفقة في ذلك منعه إيّاه وصرفه عنه . لأنّا نقول : هذا التولّي الذي كلامنا فيه ليس تولّيّا يحكم عليه بالرشد والسفه ، والمنفعة والمضرّة ، وإنّما هو تولّي سابق على النفع والضرّ ، حاكم على الخير