الشهادة على موازنة عالم الملكوت .
( مش ، 71 ، 5 )
- لما كان عالم الشهادة مرقى إلى عالم الملكوت كان سلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذا الترقّي ، وقد يعبّر عنه بالدين وبمنازل الهدى ، فلو لم يكن بينهما مناسبة واتّصال لما تصوّر الترقّي من أحدهما إلى الآخر ، فجعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت . فما من شيء في هذا العالم إلا وهو مثال لشيء من ذلك العالم ، وربما كان الشيء الواحد مثالا لأشياء من عالم الملكوت ، وربما كان للشيء الواحد من الملكوت أمثلة كثيرة من عالم الشهادة ، وإنما يكون مثالا إذا ماثله نوعا من المماثلة ، وطابقه نوعا من المطابقة . وإحصاء تلك الأمثلة يستدعي استقصاء جميع موجودات العالمين بأسرها ، ولن تفي به القدرة البشرية ، ولم تتّسع لفهمه القوة البشرية ، ولا تفي لشرحه الأعمار القصيرة . ( مش ، 129 ، 10 )
عالم عامل
- خصّص اللّه تعالى العالم العامل المرشد بأعظم الألقاب على أشرف الأبواب . قال عيسى عليه السلام من علم وعمل وعلم فذلك يدعى عظيما في ملكوت السماء وهذه نهاية الإجلال والتعظيم ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم " من حفظ على أمتي أربعين حديثا فيما ينفعهم من أمر دينهم بعثه اللّه يوم القيامة من العلماء . وفضل العالم على العابد سبعون درجة اللّه أعلم ما بين كل درجتين " ( ابن الجوزي ، العلل المتناهية في الأحاديث الواهية بيروت ، دار الكتب ، 1403 ه ، 1 / 121 - 122 ، ح 169 ) . ( ف ، 4 ، 22 )
عالم القدس
- العالم عالمان : روحاني وجسماني ، وإن شئت قلت حسّي وعقلي ، وإن شئت قلت علوي وسفلي والكل متقارب ، وإنما يختلف باختلاف العبارات فإذا اعتبرتهما في أنفسهما قلت جسماني وروحاني ، وإذا اعتبرتهما بالإضافة إلى العين المدركة لهما قلت حسّي وعقلي ، وإن اعتبرتهما بإضافة أحدهما إلى الآخر قلت علوي وسفلي .
وربما سمّيت أحدهما عالم الملك والشهادة والآخر عالم الغيب والملكوت .
ومن ينظر إلى الحقائق من الألفاظ ربما يتحيّر من كثرتها ويتخيّل كثرة المعاني ، والذي تنكشف له الحقائق يجعل المعاني أصلا والألفاظ تابعة ، وأمر الضعيف بالعكس منه إذ يطلب الحقائق من الألفاظ . وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( الملك : 22 ) .
وإذ قد عرفت معنى العالمين فاعلم أن العالم الملكوتي العلوي عالم غيب إذ هو غائب على الأكثر ، والعالم الحسي عالم الشهادة إذ يشهده الكافة . والعالم الحسي مرقاة إلى العالم العقلي ولو لم يكن بينهما اتّصال ومناسبة لانسدّ طريق الترقّي إليه ،