لذا نستطيع القول إن موقف الغزالي عقلي يجعل الكلّي متقدّما على الجزئي . وهذا يقارب التوجّه المثالي لدى العلماء والفلاسفة . وهو استمرار للموقف من النفس بما تشكّله من طبيعة غير الجسد .
جاء في ميزان العمل : « إذ الغرض تطهّر النفس عن الصفات التي تلحقها بعوارض البدن حتى لا تلتفت إليها بعد المفارقة عاشقة ومتأسّفة على فوتها . . . » ص 62 . بل هذا استمرار لرأي ابن سينا ومن قبله أفلاطون من ذلك قول الغزالي في مشكاة الأنوار : « إن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة عالية يعبّر عنها بالملائكة ، منها تفيض الأنوار على الأرواح البشرية ولأجلها قد تسمّى أربابا . . . » ص 129 . وهذا يتوافق مع ما جاء في مقاصد الفلاسفة ص 271 تحت مصطلح أجسام سماوية . هكذا يتحدّد لنا توجّه الإمام المعرفي باعتماد أولية العقل والنفس على المادة والجسم . وهذا يجعله متجانسا مع الإيمان الإسلامي بتقدّم اللّه وملائكته على المخلوقات تقدّما تامّا . أما المنطق والمناهج الاستدلالية فقد تبنّاها كليّا من غير أن يذهب ببعض مضامينها المعرفية كل المذهب . والمقصود بالقول جعل الجوهر الجزئي قاعدة ومنطلقا للجوهر الكلّي ، وهو طريق البرهان الذي اتّضح ببعض آراء أرسطو وظهر جليّا لدى ابن رشد .
ومن ثمّ سيتبيّن من خلال مقارنة بعض النصوص المستلّة من كتب الغزالي ، مع ما سبق وورد من نصوص ، أوجه التباين وظهور مستويين مختلفين .
* يقول الغزالي في منهاج العابدين : « عليك يا طالب العبادة وفّقك اللّه بالتوبة وذلك لأمرين :
أحدهما ليحصل لك توفيق الطاعة ، فإن شؤم الذنوب يورث الحرمان ويعقب الخذلان . . . » ص 9 . وفي سرد آخر : « التوبة فإنها سعي من مساعي القلب وهي عند التحصيل في قول العلماء رضي اللّه عنهم تنزيه القلب عن الذنب . قال شيخنا رحمه اللّه . . . » ص 9 أيضا . أليس هذا مختلفا عمّا أدرجناه من بعض التعريفات .
* ورد في التبر المسبوك : « سئل حكيم الفرس : لم سمّي العاقل عاقلا ؟ فقال للعاقل أربع علامات يعرف بها . . . » ص 342 . هل أسلوب الغزالي في التعريف يبدأ هكذا ؟ .
* جاء في منهاج العارفين : « المريد ، إذا حجّ يعقد النيّة خوف الردّ واستعدّ استعداد من لا يرجو الإياب وأحسن الصحبة وتجرّد عند الإحرام عن نفسه واغتسل من ذنبه ولبس ثوب الصدق . . . وطاف بقلبه حول كرسي كرامته ، وصفّى ظاهره ، وباطنه عند الوقوف على الصفا وهرول هربا من هوا . . . » ص 93 . هل هذا التصوّر يتوافق مع وضوح معاني الغزالي وصرامتها ودقّتها ، إضافة إلى استخدام ألفاظ في غير محلّها المعهود ، ولا سيّما لدى أصحاب الموقف السني القويم .
* قال في منهاج العارفين : « فإذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت بيت ملك عظيم قدره لا يقبل إلّا الطاهر ولا يصعد إليه إلا الخالص ففكّر في نفسك من أنت ولمن أنت وأين أنت ومن
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي — صفحة مقدمة 48
مساهمون: رفيق العجم
صمقدمة ٤٨