وجاء ردّ أيضا على الغزالي من ابن رشد : الإمكان معقول والمعقول لا بدّ أن يقابله شيء خارج النفس . فعندما نرفع موضوع الإمكان المنتقل من حال الوجود بالقوة إلى حال الوجود بالفعل يرتفع الحدوث والتغيّر . وموضوع الإمكان هو الهيولى أو المادة القديمة . ولا يمكن لموجود أن يتعرّى من الهيولى لأنه يصبح مفارقا وليس كائنا ولا فاسدا « 1 » .
يتبيّن لنا أن الغزالي تحرّك في فضائه ورؤياه الفلسفية والردود من موقعه كمحاجج وأحد أقطاب أصول الدين الكلامي الإسلامي ، وارتكز في العرض الموجز الذي عرضناه على محورين ، شاهد من خلالهما وتعرّف من منطلقهما :
1 - على نهج جدلي يضع مقدّمة مفروضة ومشهورة ويبني عليها .
2 - وعلى مقايسة تامة بين الشاهد والغائب ، وعدم الفصل المعرفي وأحيانا الوجودي بين القائم والغائب . وكأن ليس لكل منهما بنيانه الخاص .
التيار الصوفي :
شكل التصوّف ظاهرة معيّنة في الثقافة الإسلامية ، وتجربة ذوقية حدسية اعتمدت السلوك والمكابدة ونوعا من الإلهام والإشراق . وهو فعل إنساني واجتماعي عند أناس عايشوا المجتمع الإسلامي ونشأوا فيه . وقد لبس التصوّف لبوس الفكر الإسلامي ، وفي منبته نبتة إسلامية لم ينسلخ عن نظم معرفي سبق الإسلام ، وعن معاناة بشرية تعايشت مع النفس الإنسانية في عمقها الواعي واللاواعي ، وفي عمقها الموغل في القدم الممتدّ إلى حقب تناهز الآلاف المؤلّفة من السنين . تأثّر التصوّف بالهرمسيات والهللينيات ، والزرادشتية والمانوية والهنديات المتمثّلة في قهر الذات . وأخذ من معرفيات عرب الجاهلية الشيء الكثير ، ولا سيّما القصص والخرافة والرموز .
عبّر الصوفية عن آرائهم وخوالجهم بعدّة طرق منها :
الكرامة : وهي ظاهرة لا تخضع لمنطق العقل ووعيه المباشر ، فهي فوق المكان والزمان والتجربة الواقعية ، إنها تمثّل كل عمل خارق ومشابه للمعجزة .
التعريفات : وفيها تمّ تحديد رؤى ومشاعر المتصوّفة عبر المصطلحات التي تشتّت عن الحقل الدلالي للغة المعروف ، وعبّرت عن معان خاصة .
الأحلام : وهي أحداث في المنام ، وربما خيال في اليقظة ، تحدّث عنها الأولياء والصالحون ، وكانت رموزا لها دلالات وأبعاد .
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 103 .