ذلك لبعض النفوس الذكيّة في المنام حتّى تشاهد من مجاري الأحوال في المستقبل إمّا صريحا بعينه أو مدرّجا تحت مثال يناسبه مناسبة ما فيفتقر فيه إلى التعبير ، إلّا أن هذا النبي هو المستعدّ لذلك في اليقظة فلذلك يدرك النبي الكلّيات العقليّة عند شروق ذلك النور وصفا القوّة النبوية ، كما ينطبع مثال المحسوسات في القوّة الباصرة من العين عند شروق نور الشمس على سطوح الأجسام الصقيلة . وزعموا أن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه ورمز إليه لا أنّه شخص متجسّم متركّب عن جسم لطيف أو كثيف يناسب المكان حتى ينتقل من سفل إلى علو . وأمّا القرآن فهو تعبير محمّد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل الذي هو المراد باسم جبريل ويسمّى كلام اللّه تعالى مجازا فإنه مركّب من جهته ، وإنّما الفائض عليه من اللّه بواسطة جبريل بسيط لا تركيب فيه وهو باطن لا ظهور له . وكلام النبيّ وعبارته عنه ظاهر لا بطون له . وزعموا أن هذه القوّة القدسية الفائضة على النبيّ لا تستكمل في أوّل حلولها كما لا تستكمل النطفة الحالّة في الرحم إلّا بعد سبعة أشهر ، فكذلك هذه القوّة كمالها في أن تنتقل من الرسول الناطق إلى الأساس الصامت ، وهكذا تنتقل إلى أشخاص بعضهم بعد بعض فتكمل في السّابع .
( فض ، 9 ، 9 )
- أما " الباطنية " فإنما لقّبوا بها لدعواهم أنّ لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجرى في الظواهر مجرى اللبّ من القشر ، وأنها بصورها توهم عند الجهّال الأغبياء صورا جليّة ، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معيّنة ؛ وأن من تقاعد عقله عن الغوص على الخفايا والأسرار ، والبواطن والأغوار ، وقنع بظواهرها مسارعا إلى الاغترار كان تحت الأواصر والأغلال معنّى بالأوزار والأثقال . وأرادوا ب " الأغلال " التكليفات الشرعية . فإن من ارتقى إلى علم الباطن انحطّ عنه التكليف واستراح من أعبائه ، وهم المرادون بقوله تعالى :
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ
( الأعراف : 157 ) ؛ وربما موّهوا بالاستشهاد عليه بقولهم إنّ الجهّال المنكرين للباطن هم الذين أريدوا بقوله تعالى :
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
( الحديد :
13 ) . وغرضهم الأقصى إبطال الشرائع ، فإنهم إذا انتزعوا عن العقائد موجب الظواهر قدروا على الحكم بدعوى الباطن على حسب ما يوجب الانسلاخ عن قواعد الدين ، إذ سقطت الثقة بموجب الألفاظ الصريحة فلا يبقى للشرع عصام يرجع إليه ويعوّل عليه . ( مظ ، 11 ، 8 )
- إذا نسبت الباطنية أنفسها إلى أن نصب الإمام عندهم من اللّه تعالى ، وعند خصومهم من العباد ، ثم لم يقدروا على بيان وجه نسبة ذلك إلى اللّه تعالى إلّا بدعوى الاختراع على رسوله في النص على علي ، ودعوى بقاء ذلك في ذرّيته بقاء كل خلف لكل واحد ، ودعوى تنصيصه