تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أمالي المرتضى ( غرر الفوائد ودرر القلائد ) ( دار الفكر - القاهرة ) — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
مسألة [ معنى قوله تعالى : أَوْرَثْنَا الْكِتابَ والكتاب المشار إليه ] إن سأل سائل عن قوله تعالى :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
؛ [ فاطر : 32 ] . فقال : أىّ معنى لقوله تعالى :
أَوْرَثْنَا
؟ وما الكتاب المشار إليه ؟ وإذا كان الاصطفاء هو الاختيار والاجتباء - وذلك لا يليق إلّا بمن هو معصوم مأمون منه القبيح كالأنبياء والأئمة عليهم السلام - فكيف قال بعد ذلك :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ
، وهنا وصف لا يليق بمن ذكرناه ؟ الجواب ، إن الّذي يجب اعتماده في تأويل هذه الآية أن قوله تعالى :
فَمِنْهُمْ
ترجع الكناية فيه إلى العباد ؛ لا إلى الذين اصطفوا ؛ وهو أقرب إليه في الذكر ، فكأنّه تعالى قال : ومن عبادنا ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات . فإن قيل : فأىّ فائدة في وصف العباد بهذه القسمة ؟ وكيف عدل عن وصف الذين اصطفاهم ، وورّثهم الكتاب ؟ قلنا : الوجه في ذلك ظاهر ؛ لأنّه تعالى لما علّق توريث الكتاب بمن اصطفاهم من عباده أراد أن يبيّن وجه الاختصاص ؛ وإنّما علّق وراثة الكتاب ببعض العباد دون بعض ؛ لأنّ في العباد من هو ظالم لنفسه ، ومن هو مقتصد ، ومن هو سابق بالخيرات ؛ فوجه المطابقة بين الكلام واضح . ونحن الآن متبعون ما قيل في تأويل هذه الآية ؛ وموضّحون عمّا فيه من صحة أو اختلال . ذكر أبو عليّ الجبّائى ومن تابعه أنّ المراد بالذين اصطفوا الأنبياء عليهم السلام ، والظالم لنفسه من ارتكب الصغيرة منهم ؛ وإنّما وصف بذلك من حيث فوّت نفسه الثواب الّذي زال عنه بفعل الصغيرة ؛ ويؤدّى سائر الواجبات . والسابق إلى الخير هو الّذي استكثر من فعل النوافل ؛ وهذا التأويل يفسد من جهة أنّ الدليل قد دلّ على أنّ الأنبياء