الجزء الثاني
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
مجلس آخر
تأويل آية [ وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى :
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
[ المائدة : 64 ] .
فقال : ما اليد التي إضافتها اليهود إلى اللّه تعالى ، وادّعوا أنّها مغلولة ؟ وما نرى أنّ عاقلا من اليهود ولا غيرهم يزعم أن لربّه يدا مغلولة ، واليهود تتبرأ من أن يكون فيها قائل بذلك ؛ وما معنى الدعاء عليهم ب
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
« 1 » وهو تعالى ممن لا يصحّ أن « 1 » يدعو على غيره ؟ لأنه تعالى قادر على أن يفعل ما يشاء ، وإنّما يدعو الداعي بما لا يتمكّن من فعله طلبا له .
الجواب ، قلنا : يحتمل أن يكون قوم من اليهود وصفوا اللّه تعالى بما يقتضي تناهى مقدوره ، فجرى ذلك مجرى أن يقولوا : إنّ يده مغلولة ، لأنّ عادة الناس جارية بأن يعبّروا بهذه العبارة عن هذا المعنى ، فيقولون : يد فلان منقبضة عن كذا ، ويده لا تنبسط إلى كذا ، إذا أرادوا وصفه بالفقر والقصور ، ويشهد بذلك قوله تعالى في موضع آخر :
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ
[ آل عمران : 181 ] ، ثمّ قال تعالى مكذبا لهم :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
؛ أي أنّه ممّن لا يعجزه شيء ، وثنّى اليدين تأكيدا للأمر ، وتفخيما له ؛ ولأنّه أبلغ في المعنى المقصود من أن يقول : بل يده مبسوطة .
وقد قيل أيضا : إن اليهود وصفوا اللّه تعالى بالبخل ، واستبطئوا فضله ورزقه ؛ وقيل :
إنهم قالوا على سبيل الاستهزاء : إن إله محمّد الّذي أرسله ؛ يداه إلى عنقه ؛ إذ ليس يوسّع عليه وعلى أصحابه ، / فردّ اللّه قولهم وكذّبهم بقوله :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
، واليد هاهنا الفضل
هامش
( 1 - 1 ) حاشية ف ( من نسخة ) : « وهو تعالى لا يصحّ أن » .