مجلس آخر 61
تأويل آية [ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا
؛ [ البقرة : 286 ] .
فقال : كيف يجوز أن يأمرنا على سبيل العبادة بالدّعاء بذلك ، وعندكم أن النسيان من فعله تعالى ؟ ولا تكليف على الناسي في حال نسيانه ؛ وهذا يقتضي أحد أمرين : إما أن يكون النسيان من فعل العباد على ما يقوله كثير من الناس ، أو نكون متعبدين بمسألته تعالى ما نعلم أنّه واقع حاصل ؛ لأن مؤاخذة الناسي مأمونة منه تعالى ، والقول في الخطأ إذا أريد به ما وقع سهوا أو عن غير عمد يجرى هذا المجرى .
الجواب ، قلنا : قد قيل في تأويل هذه الآية : إنّ المراد بنسياننا تركنا .
قال أبو عليّ قطرب بن المستنير : معنى النسيان هاهنا الترك ؛ كما قال تعالى :
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
؛ [ طه : 115 ] ، فنسى أي ترك ؛ ولولا ذلك لم يكن فعله معصية ، وكقوله تعالى :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
؛ [ التوبة : 67 ] ، أي تركوا طاعته فتركهم من ثوابه ورحمته . وقد يقول / الرجل لصاحبه : لا تنسني من عطيتك ، أي لا تتركني منها ، وأنشد ابن عرفة « 1 » :
ولم أك عند الجود للجود قاليا * ولا كنت يوم الرّوع للطّعن ناسيا
أي تاركا .
وممّا يمكن أن يكون على ذلك شاهدا قوله تعالى :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
؛ [ البقرة : 44 ] ، أي تتركون أنفسكم .
هامش
( 1 ) حاشية الأصل : « هو نفطويه » .