فلو أنّها نبل إذا لاتقيتها * ولكنّنى أرمى بغير سهام
إذا ما رآني النّاس قالوا ألم تكن * جليدا حديد الطّرف غير كهام
وأفنى وما أفنى من الدّهر ليلة * ولم يغن ما أفنيت سلك نظام « 1 »
وأهلكنى تأميل يوم وليلة * وتأميل عام بعد ذاك وعام
وقال الأصمعىّ : ذمّ أعرابىّ رجلا فقال : هو أكثر ذنوبا من الدهر ؛ وأنشد الفراء « 2 » :
حنتنى حانيات الدّهر حتّى * كأنّى خاتل أدنو لصيد « 3 »
قصير الخطو يحسب من رآني * ولست مقيّدا أنّى بقيد
وقال كثيّر « 4 » :
وكنت كذى رجلين رجل صحيحة * ورجل « 5 » رمى فيها الزّمان فشلّت
وقال آخر « 6 » :
فاستأثر الدّهر الغداة بهم * والدّهر يرميني وما أرمى
يا دهر قد أكثرت فجعتنا * بسراتنا « 7 » ووقرت في العظم
أما قوله : وقرت في العظم ، أراد به : اتّخذت فيه وقرا ، أو وقيرة ، والوقر هو الحفيرة العظيمة تكون في الصّفا يستنقع فيها ماء المطر ، والوقب أيضا كذلك ، والوقيرة أيضا الحفيرة إلّا أنّها دون الأوليين في الكبر .
وكل هؤلاء الذين روينا أشعارهم نسبوا أفعال اللّه التي لا يشاركه فيها غيره إلى الدهر ، فحسن وجه التأويل الّذي ذكرناه .
هامش
( 1 ) في حاشيتي الأصل ، ف : « أي لم يغن ما أفنيت من العمر بشيء حتّى بخيط » .
( 2 ) البيتان في حماسة البحتري 323 .
( 3 ) ت ، ف : « حابل » : .
( 4 ) أمالي القالى 1 : 109 ، من تائيته المشهورة .
( 5 ) ف ، حاشية ت ( من نسخة ) : « وأخرى » .
( 6 ) هو الأعشى ، والبيتان في ملحقات ديوانه 258 ، وثانيهما في اللسان ( وقر ) وفي حاشية الأصل : بعدهما :وسلبتنا ما لست تعقبنا * يا دهر ما أنصفت في الحكم. ( 7 ) حاشية الأصل : « جمع السرى ، ورجل سرى ، والقوم سراة » .