المشكاة ، في شرح حديث : ( لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدّثون ، فإن يك في أمّتي أحد فإنّه عمر ) :
« هذا الشرط من باب قول الأجير : إن كنت عملت لك فوفني حقي ، وهو عالم بذلك ، ولكنّه يخيّل في كلامه أنّ تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق مع وضوحه ، فالمراد بالمحدّث الملهم المبالغ فيه الذي إنتهى إلى درجة الأنبياء في الإلهام .
فالمعنى : لقد كان فيما قبلكم من الأمم أنبياء يلهمون من قبيل الملأ الأعلى ، فإن يك في أمّتي أحد هذا شأنه فهو عمر ، جعله لإنقطاع قرينة ، وتفوقه على أقرانه في هذا ، كأنّه تردّد في أنّه هل هو نبيّ أم لا ، فاستعمل « إن » ، ويؤيّده ما ورد في الفصل الثاني : ( لو كان بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطاب ) فإن في هذا الحديث بمنزلة إن على سبيل الفرض والتقدير » « 1 » إنتهى .
وأمّا ثانيا : فلأنّ النبيّ يجبّ أن يكون معصوما ، وعمر لم يكن معصوما بإجماع منّا ومنهم ، فكيف يصلح للرسالة ؟ ! .
ولكن لا غرو من عصبيّتهم ، وذهاب عقولهم ، وإستحواذ الشيطان على بصائرهم ، أن يدّعوا العصمة لعمر .
أولا ترى ! هذا الرجل الذي تسمّى بوليّ اللّه ، يصرّح بأنّ عمر كان مستعدا للنبوّة في القوة العمليّة ، ويستدلّ عليه بحديث : ( إنّ الشيطان يفرّ من عمر ) ، وهل هذا إلّا تصريح بعصمته ! ؛ وإن كان لبس الأمر أخيرا وجعل ذلك تلوا للعصمة ونائبا له .
هامش
( 1 ) انظر مرقاة المفاتيح لعلي القاري : 10 / 386 ( 6035 ) وقد ذكر كلام الطيبي فيه .