من لي بردّ جماح من غوايتها * كما يردّ جماح الخيل باللّجم
فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها * إنّ الطّعام يقوي شهوة النّهم
والنّفس كالطفل إن تهمله شب على * حبّ الرّضاع وإن تفطمه ينفطم
فاصرف هواها وحاذر أن تولّيه * إنّ الهوى ما تولي يصم أو يصم
وراعها وهي في الأعمال سائمة * وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
كم حسّنت لذّة للمرء قاتلة * من حيث لم يدر أنّ السّمّ في الدّسم
واخش الدّسائس من جوع ومن شبع * فربّ مخمصة شرّ من التخم
واستفرغ الدّمع من عين قد امتلأت * من المحارم وألزم حمية النّدم
وخالف النّفس والشّيطان واعصهما * وإن هما محضاك النّصح فاتّهم
ولا تطع منهما خصما ولا حكما * فأنت تعرف كيد الخصم والحكم
استغفر اللّه من قول بلا عمل * لقد نسبت به نسلا لذي عقم
أمرتك الخير لكن ما ائتمرت به * وما استقمت فما قولي لك استقم
ولا تزوّدت قبل الموت نافلة * ولم أصلّ سوى فرض ولم أصم
ظلمت سنّة من أحي الظّلام إلى * أن اشتكت قدماه الضّرّ من ورم
وشدّ من سغب أحشائه وطوى * تحت الحجارة كشحا مترف الأدم
وراودته الجبال الشّمّ من ذهب * عن نفسه فأراها أيّما شمم
وأكّدت زهده فيها ضرورته * إنّ الضرورة لا تعدو على العصم
وكيف تدعو إلى الدّنيا ضرورة من * لولاه لم تخرج الدّنيا من العدم
محمّد سيّد الكونين والثّقلين * والفريقين من عرب ومن عجم
نبيّنا الآمر النّاهي فلا أحد * أبرّ في قول لا منه ولا نعم
هو الحبيب الّذي ترجى شفاعته * لكلّ هول من الأهوال مقتحم
دعا إلى اللّه فالمستمسكون به * مستمسكون بحبل غير منفصم
فاق النّبيّين في خلق وفي خلق * ولم يدانوه في علم ولا كرم
وكلّهم من رسول اللّه ملتمس * غرفا من البحر أو رشفا من الدّيم
ووافقون لديه عند حدّهم * من نقطة العلم أو من شكلة الحكم
فهو الّذي تمّ معناه وصورته * ثمّ اصطفاه حبيبا بارئ النّسم
زهر الربيع — صفحة 492
مساهمون: السيد نعمة الله الجزائري
ص٤٩٢