فرأيته ليلة إلى جنب قبّة الشراب في نصف الليل قائما يصلّي بخشوع وأنين وبكاء فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل فلما رأى الفجر جلس في مصلّاه يسبح ، ثمّ قام فصلّى الغداة وطاف بالبيت أسبوعا وخرج فتبعته وإذا له غاشية وموال وهو على خلاف ما رأيته في الطريق ، ودار به الناس من حوله يسلّمون عليه ، فقلت لبعض من رأيته يقرب من هذا الفتى ؟ فقال : هذا موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام ، فقلت قد عجبت أن تكون هذه العجائب الّا لمثل هذا السيّد وقد نظمه الشاعر :
شقيق البلخي عنه وما * شاهد منه وما الّذي كان أبصر
قال لمّا حججت عاينت شخصا * شاحب اللون ناحل الجسم أسمر
سائرا وحده وليس له زاد * فما زلت دائما أتفكّر
وتوهمت انّه يسأل الناس * ولم أدر أنّه الحجّ الأكبر
ثمّ عاينته ونحن نزول * دون فيد « 5 » على الكثيب الأحمر
يضع الرمل في الأناء ويشربه * فناديته وعقلي محيّر
إسقني شربة فناولني منه * فعاينته سويقا وسكر
فسألت الحجيج من يك هذا * قيل هذا الأمام موسى بن جعفر
ومن الآثار انّه كان حكيم من حكماء اليونان قد ترك الدنيا فقيل له : لم لا تتخذ بيتا ؟ فقال :
لي بيت أوسع من كلّ البيوت ، السماء سقفه ، والأرض سطحه فقيل له : لم لا تتخذ امرأة لعلّه يولد لك ولد يواريك في حفرتك ؟ فقال : إذا متّ فكلّ من يتأذى بجيفتي يدفنني ، فقيل له : ولم سمّيت كلباغورس ؟ فقال : لأنّ صفة الكلب فيّ لأني أدور حول الصديق وأنهش العدو .
وفي المحاضرات أنّه قيل لرجل من أبعد الناس سفرا ؟ قال من كان سفره في طلب أخ صالح ، وسمع المأمون ابا العتاهية ينشد :
وإني لمحتاج إلى ظلّ صاحب * يرقّ ويصفو إن كدرت عليه
فقال : خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب ، قيل لفيلسوف ما الصديق ؟ فقال : اسم على غير معنى حيوان غير موجود .
هامش
( 5 ) ( فيد ) منزل بطريق مكة