وشعاري الخوف ، ولباسي الصوف ، ودابّتي رجلاي ، وسراجي بالليل القمر ، وصلاي في الشتاء مشارق الشمس ، وفاكهتي ما أنبتت الأرض للأنعام ، أبيتُ وليس لي شيء ، وليس أحدٌ أغنى منّي .
وسليمان بن داود وما أوتي من الملك إذ كان يأكل خبر الشعير ، ويطعم امّه الحنطة ، وإذا جنّه الليل لبس المسوح ، وغلّ يده إلى عنقه ، وبات باكياً حتّى يصبح ، ويكثر أن يقول : ربّ إنّي ظلمت نفسي ، فإن لم تغفرلي وترحمني لأكوننّ من الخاسرين ، لا إله إلّاأنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين .
فهؤلاء أنبياء اللَّه وأصفياؤه ، تنزّهوا عن الدنيا ، وزهدوا فيما زهّدهم اللَّه جلّ ثناؤه فيه منها ، وأبغضوا ما أبغض ، وصغّروا ما صغّر ، ثمّ اقتصّ الصالحون آثارهم ، وسلكوا منهاجهم ، وألطفوا الفكر ، وانتفعوا بالعِبَر ، وصبروا في هذا العمر القصير من متاع الغرور الّذي يعود إلى الفناء ، ويصير إلى الحساب .
نظروا بعقولهم إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أوّلها ، وإلى باطن الدنيا ولم ينظروا إلى ظاهرها ، وفكّروا في مرارة عاقبتها فلم يستمرئهم « 1 » حلاوة عاجلها ، ثمّ ألزموا أنفسهم الصبر ، وأنزلوا الدنيا من أنفسهم كالميتة الّتي لا يحلّ لأحدٍ أن يشبع منها إلّافي حال الضرورة إليها ، وأكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النفَس وأمسك الروح ، وجعلوها بمنزلة الجيفة الّتي اشتدّ نتنها ، فكلّ
هامش
( 1 ) - مرأ الطعام : صار لذيذاً . ( مجمع البحرين : 4 / 187 ) . .