المفسّرون واكتفينا عنه بهذا الحديث لجودته وتصحيح الحاكم له ، ولا فرق في هذا المعنى بين أن يعبّر عنه بلفظ التوسّل أو الاستعانة أو التشفّع أو التجوّه ، والداعي بالدعاء المذكور وما في معناه متوسّل بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأنّه جعله وسيلة لإجابة اللَّه دعاءه . . . والمقصود جواز أن يسأل العبد اللَّه تعالى بمن يقطع أنّ له عند اللَّه قدر أو مرتبة . . . وعلى هذا التوسّل بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبل خلقه ، ولسنا في ذلك سائلين غير اللَّه تعالى ولا داعين إلّا إيّاه ، ويكون ذكر المحبوب أو التعظيم سبباً للإجابة كما في الأدعية الصحيحة المأثورة . . .
الحالة الثانية ، التوسّل بذلك النوع بعد خلقه صلى الله عليه وآله وسلم في مدّة حياته ، فمن ذلك ما رواه أبو عيسى الترمذي في جامعه . . . أنّ رجلًا ضرير البصر أتى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ادع اللَّه أن يعافيني « 1 » . . .
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلّامن هذا الوجه . . . فإنّا نعلم شفقته صلى الله عليه وآله وسلم على أُمّته ، ورفقه بهم ، ورحمته لهم ، واستغفاره لجميع المؤمنين ، وشفاعته . . .
الحالة الثالثة ، أن يتوسّل بذلك بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم لما رواه الطبراني في المعجم الكبير . . . أنّ رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفّان رضى اللَّه تعالى عنه في حاجة له « 2 » .
النوع الثاني : التوسّل بمعنى طلب الدعاء منه ، وذلك في أحوال :
أحدها في حياته صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا متواتر ، والأخبار طافحة به ولا يمكن حصرها ، وقد كان المسلمون يفزعون إليه ، ويستغيثون به في جميع ما نابهم ، كما جاء في الصحيحين أنّ رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة « 3 » . . .
والأحاديث والآثار في ذلك أكثر من أن تُحصى ، ولو تتبّعتها لوجدتَ منها الوفاء . . .
هامش
( 1 ) - انظر ص 245 ح 3 .
( 2 ) - انظر ص 246 ح 5 .
( 3 ) - انظر ما تقدّم في ص 245 ح 4 .