وأمّا قولهم : إنّ معاوية كاتب الوحي ! « 1 » وقد كان بين يدي النبيّ أربعة عشر نفساً يكتبون الوحي وأقومهم أمير المؤمنين عليه السلام ، فبماذا يستحق معاوية هذاالنعت دونه ودون غيره من الكتّاب ؟
وقد عُلِمَ إنّ معاوية عليه الهاوية لم يزل مُشرِكاً مدّة كون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مبعوثاً ، يكذّب بالوحي ، ويهزَأ بالشرع ، وكان باليمن يوم الفتح يطعن على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ويكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيرّه بإسلامه ويقول له : صَبَوت إلى دين محمّد !
ومما كتب به إلى أبيه من قبل أن يُسلم قوله :
ياصَخر لاتُسلمنّ طَوعاً فتفضحنا * بعد الذين ببَدرٍ أصبحوا مَزقا
خالي وعمّي وعمّ الأب ثالثهم * وحنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا
لاتركنن إلى أمرٍ يُكلِّفنا * والراقصات به في مكة الخرقا
فالموت أهوَنُ من قول العداة لقد * حاد ابن حربٍ عن العزّى إذاً فَرقا
فإن أبيتَ أبَينا ما تريد ولا * تدعنَ اللات والعزّى إذا أعتنقا « 2 »
والفتح كان في شهر رمضان لثمان سنين من قدوم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ، ومعاوية يَومئذٍ مقيمٌ على شِركه هاربٌ من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنّه كان قد هُدر دمُه فهرب إلى مكة ، فلمّا لم يجد له مأوى صار إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مصير الاضطرار ، فأظهَر الإسلام قبل وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بخمسة أو ستة أشهر ، وطرحَ نفسه على العباس بن عبد المطلب ، فسَأل فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فعفا عنه ، ثم شفع له أن
هامش
( 1 ) الطرائف : 2 / 220 ، مسير أعلام النبلاء : 3 / 129 - 130 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة : 6 / 370 ، الغدير ، 10 / 239 ، جمهرة خطب العرب : 23 / 4 ، تذكرة الخواص : 201 .