يتسمنون أي يتكثرون بما ليس فيهم ويدعون ما ليس لهم من الشرف . قال في
الفتح : ويحتمل أن يكون جميع ذلك مرادا . وقد ورد في لفظ من حديث عمران
عند الترمذي بلفظ : ثم يجئ قوم متسمنون ويحبون السمن قال الحافظ : وهو
ظاهر في تعاطي السمن على حقيقته فهو أولى ما حمل عليه خبر الباب . وإنما كان
ذلك مذموما لأن السمين غالبا يكون بليد الفهم ثقيلا عن العبادة كما هو مشهور .
قوله : ويشهدون ولا يستشهدون يحتمل أن يكون التحمل بدون تحميل أو الأداء
بدون طلب . قال الحافظ : والثاني أقرب ، وأحاديث الباب متعارضة ، فحديث زيد بن خالد
الجهني يدل على استحباب شهادة الشاهد قبل أن يستشهد . وحديث عمران وأبي
هريرة يدلان على كراهة ذلك . وقد اختلف أهل العلم في ذلك فبعضهم جنح إلى
الترجيح ، فرجح ابن عبد البر حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة فقدمه على
حديث عمران لكونه من رواية أهل العراق ، وبالغ فزعم أن حديث عمران المذكور
لا أصل له ، وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح عليه وانفراد
مسلم بإخراج حديث زيد ، وذهب آخرون إلى الجمع ، فمنهم من قال : إن المراد بحديث زيد من
عنده شهادة لانسان بحق لا يعلم بها صاحبها فيأتي إليه فيخبره بها ، أو يموت صاحبها العالم بها
ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إلى ورثته فيعلمهم بذلك ، قال الحافظ : وهذا أحسن الأجوبة ، وبه
أجاب يحيى بن سعيد شيخ مالك ومالك وغيرهما . ثانيها إن المراد بحديث زيد شهادة الحسبة
وهي ما لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضا ، ويدخل في الحسبة مما يتعلق بحق الله
أو فيه شائبة منه العتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق والحدود ونحو ذلك
. ( وحاصله ) أن المراد بحديث زيد الشهادة في حقوق الله ، وبحديث عمران وأبي هريرة
الشهادة في حقوق الآدميين . ثالثها : أنه محمول على المبالغة في الإجابة إلى الأداء
فيكون لشدة استعداده لها كالذي أداها قبل أن يسألها . وهذه الأجوبة مبنية على
أن الأصل في أداء الشهادة عند الحاكم أنه لا يكون إلا بعد الطلب من صاحب الحق ،
فيخص ذم من يشهد قبل أن يستشهد بمن ذكر ممن يخبر بشهادته ولا يعلم بها
صاحبها ، وذهب بعضهم إلى جواز أداء الشهادة قبل السؤال على ظاهر عموم حديث
زيد ، وتأولوا حديث عمران بتأويلات ، أحدها : أنه محمول على شهادة الزور أي يؤدون
شهادة لم يسبق لهم تحملها ، وهذا حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم . ثانيها : المراد
نيل الأوطار — صفحة 210
مساهمون: الشوكاني
ص٢١٠