تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
سواء في المعنى ، هذا قول الفراء ، فهذه احتمالات ثلاثة توجهت على تقدير تعليق اللام بالسورة التي قبل هذه ، وبقي من مباحث هذا القول أمران : الأول : أن للناس في تعليق هذه اللام بالسورة المتقدمة قولين : أحدهما : أن جعلوا السورتين سورة واحدة واحتجوا عليه بوجوه : أحدها : أن السورتين لا بد وأن تكون كل واحدة منهما مستقلة بنفسها ، ومطلع هذه السورة لما كان متعلقا بالسورة المتقدمة وجب أن لا تكون سورة مستقلة وثانيها : أن أبي بن كعب جعلهما في مصحفه سورة واحدة وثالثها : ما روي أن عمر قرأ في صلاة المغرب في الركعة الأولى
وَالتِّينِ
وفي الثانية
أَ لَمْ تَرَ
و
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
معا ، من غير فصل بينهما ببسم اللّه الرحمن الرحيم القول الثاني : وهو المشهور المستفيض أن هذه السورة منفصلة عن سورة الفيل ، وأما تعلق أول هذه السورة بما قبلها فليس بحجة على ما قالوه ، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة وكالآية الواحدة يصدق بعضها بعضا ويبين بعضها معنى بعض ، ألا ترى أن الآيات الدالة على الوعيد مطلقة ، ثم إنها متعلقة بآيات التوبة وبآيات العفو عنه من يقول به ، وقوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ
[ القدر : 1 ] متعلق بما قبله من ذكر القرآن ، وأما قوله : إن أبيا لم يفصل بينهما فهو معارض بإطباق الكل على الفصل بينهما ، وأما قراءة عمر فإنها لا تدل على أنهما سورة واحدة لأن الإمام قد يقرأ سورتين . البحث الثاني : فيما يتعلق بهذا القول بيان أنه لم صار ما فعله اللّه بأصحاب الفيل سببا لإيلاف قريش ؟ فنقول : لا شك أن مكة كانت خالية عن الزرع والضرع على ما قال تعالى :
بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
إلى قوله :
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ
[ إبراهيم : 37 ] فكان أشراف أهل مكة يرتحلون للتجارة هاتين الرحلتين ، ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب ، وهم إنما كانوا يربحون في أسفارهم ، ولأن ملوك النواحي كانوا يعظمون أهل مكة ، ويقولون : هؤلاء جيران بيت اللّه وسكان حرمه وولاة الكعبة حتى إنهم كانوا يسمون أهل مكة أهل اللّه ، فلو تم للحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة ، لزال عنهم هذا العز ولبطلت تلك المزايا في التعظيم والاحترام ولصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون من كل جانب ويتعرض لهم في نفوسهم وأموالهم ، فلما أهلك اللّه أصحاب الفيل ورد كيدهم في نحرهم ازداد وقع أهل مكة في القلوب ، وازداد تعظيم ملوك الأطراف لهم فازدادت تلك المنافع والمتاجر ، فلهذا قال اللّه تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل لإيلاف قريش . . . رحلة « 1 » الشتاء والصيف . والوجه الثاني : فيما يدل على صحة هذا القول أن قوله تعالى في آخر هذه السورة :
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ / هذَا الْبَيْتِ * الَّذِي
[ قريش : 3 ، 4 ] إشارة إلى أول سورة الفيل ، كأنه قال : فليعبدوا رب هذا البيت الذي قصده أصحاب الفيل ، ثم إن رب البيت دفعهم عن مقصودهم لأجل إيلافكم ونفعكم لأن الأمر بالعبادة إنما يحسن مرتبا على إيصال المنفعة ، فهذا يدل على تعلق أول هذه السورة بالسورة المتقدمة . القول الثاني : وهو أن اللام في :
لِإِيلافِ
متعلقة بقوله :
فَلْيَعْبُدُوا
وهو قول الخليل وسيبويه والتقدير : فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش أي : ليجعلوا عبادتهم شكرا لهذه النعمة واعترافا بها ، فإن قيل : فلم دخلت الفاء في قوله :
فَلْيَعْبُدُوا
؟ قلنا : لما في الكلام من معنى الشرط ، وذلك لأن نعم اللّه عليهم
هامش
( 1 ) في الأصل : ( رحلتي الشتاء ) ولعلها قراءة ولكن القراءة المشهورة رحلة بالإفراد لا بالتثنية ، وهو مفرد مضاف فيعم الواحد والاثنين .