تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
واعلم أنه تعالى ذكر ما فعل بهم فقال :

[ سورة الفيل ( 105 ) : آية 2 ]

أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ( 2 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الكيد هو إرادة مضرة بالغير على الخفية ، إن قيل : فلم سماه كيدا وأمره كان ظاهرا ، فإنه كان يصرح أنه يهدم البيت ؟ قلنا : نعم ، لكن الذي كان في قلبه شر مما أظهر ، لأنه كان يضمر الحسد للعرب ، وكان يريد صرف الشرف الحاصل لهم بسبب الكعبة منهم ومن بلدهم إلى نفسه وإلى بلدته . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : إضافة الكيد إليهم دليل على أنه تعالى لا يرضى بالقبيح ، إذ لو رضي لأضافه إلى ذاته ، كقوله : الصوم لي والجواب : أنه ثبت في علم النحو أنه يكفي في حسن الإضافة أدنى سبب ، فلم لا يكفي في حسن هذه الإضافة وقوعه مطابقا لإرادتهم واختيارهم ؟ . المسألة الثالثة :
فِي تَضْلِيلٍ
أي في تضييع وإبطال يقال : ضلل كيده إذا جعله ضالا ضائعا ونظيره قوله تعالى :
وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ *
[ الرعد : 14 ] وقيل لامرئ القيس الملك الضليل ، لأنه ضلل ملك أبيه أي ضيعه بمعنى أنهم كادوا البيت أولا ببناء القليس وأرادوا أن يفتتحوا أمره بصرف وجوه الحاج إليه ، فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه ، ثم كادوه ثانيا بإرادة هدمه فضلل بإرسال الطير عليهم ، ومعنى حرف الظرف كما يقال : سعى فلان في ضلال ، أي سعيهم كان قد ظهر لكل عاقل أنه كان ضلال وخطأ . ثم قال تعالى :

[ سورة الفيل ( 105 ) : آية 3 ]

وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ( 3 ) وفيه سؤالات : السؤال الأول : لم قال :
طَيْراً
على التنكير ؟ والجواب : إما للتحقير فإنه مهما كان أحقر كان صنع اللّه أعجب وأكبر ، أو للتفخيم كأنه يقول : طيرا وأي طير ترمى بحجارة صغيرة فلا تخطئ المقتل . السؤال الثاني : ما الأبابيل الجواب : أما أهل اللغة قال أبو عبيدة : أبابيل جماعة في تفرقة ، يقال : جاءت الخيل أبابيل أبابيل من هاهنا وهاهنا ، وهل لهذه اللفظة واحد أم لا ؟ فيه قولان : الأول : وهو قول الأخفش والفراء أنه لا واحد لها وهو مثل الشماطيط والعباديد ، لا واحد لها والثاني : أنه له واحد ، ثم على هذا القول ذكروا ثلاثة أوجه أحدها : زعم أبو جعفر الرؤاسي وكان ثقة مأمونا أنه سمع واحدها إبالة ، وفي أمثالهم : ضغث على إبالة ، وهي الحزمة الكبيرة سميت الجماعة من الطير في نظامها بالإبالة وثانيها : قال الكسائي : كنت أسمع النحويين يقولون : أبول وأبابيل كعجول وعجاجيل وثالثها : قال الفراء : ولو قال قائل : واحد الأبابيل إيبالة كان صوابا كما قال : دينار ودنانير . السؤال الثالث : ما صفة تلك الطير ؟ الجواب : روى ابن سيرين عن ابن عباس قال : كانت طيرا لها خراطيم كخراطيم الفيل وأكف كأكف الكلاب ، وروى عطاء عنه قال : طير سود جاءت من قبل البحر فوجا فوجا ، ولعل السبب أنها أرسلت إلى قوم كان في صورتهم سواد اللون وفي سرهم سواد الكفر والمعصية ، وعن سعيد بن جبير أنها بيض صغار ولعل السبب أن ظلمة الكفر انهزمت بها ، والبياض ضد السواد ، وقيل : كانت
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 291 | فخر الدين الرازي