[ إبراهيم : 32 ] فعطف ذلك على البحر .
المسألة الثامنة : اعلم أنه تعالى لما وصف الجنة أتبعه بما هو أفضل من الجنة وهو الخلود أولا والرضا ثانيا ،
وروي أنه عليه السلام قال : « إن الخلود في الجنة خير من الجنة ورضا اللّه خير من الجنة » .
أما الصفة الأولى : وهي الخلود ، فاعلم أن اللّه وصف الجنة مرة بجنات عدن ومرة بجنات النعيم ومرة بدار السلام ، وهذه الأوصاف الثلاثة إنما حصلت لأنك ركبت إيمانك من أمور ثلاثة اعتقاد وقول وعمل .
وأما الصفة الثانية : وهي الرضا ، فاعلم أن العبد مخلوق من جسد وروح ، فجنة الجسد هي الجنة الموصوفة وجنة الروح هي رضا الرب ، والإنسان مبتدأ أمره من عالم الجسد ومنتهى أمره من عالم العقل والروح ، فلا جرم ابتدأ بالجنة وجعل المنتهى هو رضا اللّه ، ثم إنه قدم رضى اللّه عنهم على قوله :
وَرَضُوا عَنْهُ
لأن الأزلي هو المؤثر في المحدث ، والمحدث لا يؤثر في الأزلي .
المسألة التاسعة : إنما قال :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
ولم يقل رضي الرب عنهم ولا سائر الأسماء لأن أشد الأسماء هيبة وجلالة لفظ اللّه ، لأنه هو الاسم الدال على الذات والصفات بأسرها أعني صفات الجلال وصفات الإكرام ، فلو قال : رضي الرب عنهم لم يشعر ذلك بكمال طاعة العبد لأن المربي قد يكتفي بالقليل ، أما لفظ اللّه فيفيد غاية الجلالة والهيبة ، وفي مثل هذه الحضرة لا يحصل الرضا إلا بالفعل الكامل والخدمة التامة ، فقوله :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
يفيد تطرية فعل العبد من هذه الجهة .
المسألة العاشرة : اختلفوا في قوله :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
فقال بعضهم : معناه رضي أعمالهم ، وقال بعضهم : المراد رضي بأن يمدحهم ويعظمهم ، قال : لأن الرضا عن الفاعل غير الرضا بفعله ، وهذا هو الأقرب ، وأما قوله :
وَرَضُوا عَنْهُ
فالمراد أنه رضوا بما جازاهم من النعيم والثواب .
أما قوله تعالى :
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الخوف في الطاعة حال حسنة قال تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
[ المؤمنون : 60 ] ولعل الخشية أشد من الخوف ، لأنه تعالى ذكره في صفات الملائكة مقرونا بالإشفاق الذي هو أشد الخوف فقال :
هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
[ المؤمنون : 57 ] والكلام في الخوف والخشية مشهور .
المسألة الثانية : هذه الآية إذا ضم إليها آية أخرى صار المجموع دليلا على فضل العلم والعلماء ، وذلك لأنه تعالى قال :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] فدلت هذه الآية على أن العالم يكون صاحب الخشية ، وهذه الآية وهي قوله :
ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ
تدل على أن صاحب الخشية تكون له الجنة فيتولد من مجموع الآيتين أن الجنة حق العلماء .
المسألة الثالثة : قال بعضهم : هذه الآية تدل على أن المرء لا ينتهي إلى حد يصير معه آمنا بأن يعلم أنه من أهل الجنة ، وجعل هذه الآية دالة عليه وهذا المذهب غير قوي ، لأن الأنبياء عليهم السلام قد علموا أنهم من أهل الجنة ، وهم مع ذلك من أشد العباد خشية للّه تعالى ، كما
قال عليه الصلاة والسلام : « أعرفكم باللّه أخوفكم من اللّه ، وأنا أخوفكم منه »
واللّه سبحانه وتعالى أعلم . وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .