واعلم أن هذا تنبيه على أن وعيد علماء السوء أعظم من وعيد كل أحد .
السؤال السابع : هذه الآية هل هي مجراة على عمومها ؟ الجواب : لا بل هي مخصوصة بصورتين إحداهما : أن من تاب منهم وأسلم خرج عن الوعيد والثانية : قال بعضهم : لا يجوز أن يدخل في الآية من مضى من الكفار ، لأن فرعون كان شرا منهم ، فأما الآية الثانية وهي الآية الدالة على ثواب المؤمنين فعامة فيمن تقدم وتأخر ، لأنهم أفضل الأمم .
[ سورة البينة ( 98 ) : آية 7 ]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ( 7 )
فيه مسائل :
المسألة الأولى : الوجه في حسن تقديم الوعيد على الوعد وجوه أحدها : أن الوعيد كالدواء ، والوعد كالغذاء ، ويجب تقديم الدواء حتى إذا صار البدن نقيا انتفع بالغذاء ، فإن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرا ، هكذا قاله بقراط في كتاب « الفصول » وثانيها : أن الجلد بعد الدبغ يصير صالحا للمدارس والخف ، أما قبله فلا ، ولذلك فإن الإنسان متى وقع في محنة أو شدة رجع إلى اللّه ، فإذا نال الدنيا أعرض ، على ما قال :
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ
[ العنكبوت : 65 ] وثالثها : أن فيه بشارة ، كأنه تعالى يقول : لما لم يكن بد من الأمرين ختمت بالوعد الذي هو بشارة مني في أني أختم أمرك بالخير ، ألست كنت نجسا في مكان نجس ، ثم أخرجتك إلى الدنيا طاهرا ، أفلا أخرجك إلى الجنة طاهرا ! .
المسألة الثانية : احتج من قال : إن الطاعات ليست داخلة في مسمى الإيمان بأن الأعمال الصالحة معطوفة في هذه الآية على الإيمان ، والمعطوف غير المعطوف عليه .
المسألة الثالثة : قال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
ولم يقل : إن المؤمنين إشارة إلى أنهم أقاموا سوق الإسلام حال كساده ، وبذلوا الأموال والمهج لأجله ، ولهذا السبب استحقوا الفضيلة العظمى كما قال :
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ
[ الحديد : 10 ] ولفظة :
آمَنُوا
أي فعلوا الإيمان مرة .
واعلم أن الذين يعتبرون الموافاة يحتجون بهذه الآية ، وذلك لأنها تدل على أن من أتى بالإيمان مرة واحدة فله هذا الثواب ، والذي يموت على الكفر لا يكون له هذا الثواب ، فعلمنا أنه ما صدر الإيمان عنه في الحقيقة قبل ذلك .
المسألة الرابعة : قوله :
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
من مقابلة الجمع بالجمع ، فلا يكلف الواحد بجميع الصالحات ، بل لكل مكلف حظ فحظ الغني الإعطاء ، وحظ الفقير الأخذ .
المسألة الخامسة : احتج بعضهم بهذه الآية في تفضيل البشر على الملك ، قالوا :
روى أبو هريرة أنه عليه السلام قال : « أتعجبون من منزلة الملائكة من اللّه تعالى ! والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند اللّه يوم القيامة أعظم من ذلك ، واقرؤا إن شئتم :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا / الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ
.
واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لوجوه : أحدها : ما روي عن يزيد النحوي أن البرية بنو آدم من البرا وهو التراب فلا يدخل الملك فيه البتة وثانيها : أن قوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
غير مختص بالبشر بل