قال : إذا كانت تلك الليلة ، فأعلمني فإذا هي السابعة والعشرون من رمضان . وأما من قال : إنها الليلة الأخيرة قال : لأنها هي الليلة التي تتم فيها طاعات هذا الشهر ، بل أول رمضان كآدم وآخره كمحمد ، ولذلك
روي في الحديث « يعتق في آخر رمضان بعدد ما أعتق من أول الشهر » ،
بل الليلة الأولى كمن ولد له ذكر ، فهي ليلة شكر ، والأخيرة ليلة الفراق ، كمن مات له ولد ، فهي ليلة صبر ، وقد علمت فرق ما بين الصبر والشكر . ثم قال تعالى :
[ سورة القدر ( 97 ) : آية 2 ]
وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( 2 )
يعني ولم تبلغ درايتك غاية فضلها ومنتهى علو قدرها ، ثم إنه تعالى بين فضيلتها من ثلاثة أوجه : الأول :
قوله تعالى :
[ سورة القدر ( 97 ) : آية 3 ]
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ( 3 )
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير الآية وجوه أحدها : أن العبادة فيها خير من ألف شهر ليس فيها هذه الليلة ، لأنه كالمستحيل أن يقال إنها : خير من ألف شهر فيها هذه الليلة ، وإنما كان كذلك لما يزيد اللّه فيها من المنافع والأرزاق وأنواع الخير وثانيها : قال مجاهد : كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح ثم يجاهد حتى يمسي فعل ذلك ألف شهر ، فتعجب رسول اللّه صلى الله عليه وسلّم والمسلمون من ذلك ، فأنزل اللّه هذه الآية ، أي ليلة القدر لأمتك خير من ألف شهر لذلك الإسرائيلي الذي حمل السلاح ألف شهر وثالثها :
قال مالك بن أنس : أري / رسول اللّه صلى الله عليه وو سلّم أعمار الناس ، فاستقصر أعمار أمته ، وخاف أن لا يبلغوا من الأعمال مثل ما بلغه سائر الأمم ، فأعطاه اللّه ليلة القدر وهي خير من ألف شهر لسائر الأمم
ورابعها :
روى القاسم بن فضل عن عيسى بن مازن ، قال : قلت للحسن بن علي عليه السلام يا مسود وجوه المؤمنين عمدت إلى هذا الرجل فبايعت له يعني معاوية ، فقال : إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلّم ، رأى في منامه بني أمية يطؤن منبره واحدا بعد واحد ، وفي رواية ينزون على منبره نزو القردة ، فشق ذلك عليه فأنزل اللّه تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
إلى قوله :
خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
يعني ملك بني أمية قال القاسم فحسبنا ملك بني أمية ، فإذا هو ألف شهر .
طعن القاضي في هذه الوجوه فقال : ما ذكر من ألف شهر في أيام بني أمية بعيد ، لأنه تعالى لا يذكر فضلها بذكر ألف شهر مذمومة ، وأيام بني أمية كانت مذمومة .
واعلم أن هذا الطعن ضعيف ، وذلك لأن أيام بني أمية كانت أياما عظيمة بحسب السعادات الدنيوية ، فلا يمتنع أن يقول اللّه تعالى إني : أعطيتك ليلة هي في السعادات الدينية أفضل من تلك السعادات الدنيوية .
المسألة الثانية : هذه الآية فيها بشارة عظيمة وفيها تهديد عظيم ، أما البشارة فهي أنه تعالى ذكر أن هذه الليلة خير ، ولم يبين قدر الخيرية ، وهذا
كقوله عليه السلام لمبارزة علي عليه السلام مع عمرو بن عبد ود [ العامري ] « أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة » ،
فلم يقل مثل عمله بل قال : أفضل كأنه يقول : حسبك هذا من الوزن والباقي جزاف .