المسألة الرابعة : أول السورة يدل على مدح العلم وآخرها على مذمة المال ، وكفى بذلك مرغبا في الدين والعلم ومنفرا عن الدنيا والمال . ثم قال تعالى :
[ سورة العلق ( 96 ) : آية 8 ]
إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى ( 8 )
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديدا له وتحذيرا من عاقبة الطغيان .
المسألة الثانية :
الرُّجْعى
المرجع والرجوع وهي بأجمعها مصادر ، يقال : رجع إليه رجوعا / ومرجعا ورجعي على وزن فعلى ، وفي معنى الآية وجهان : أحدهما : أنه يرى ثواب طاعته وعقاب تمرده وتكبره وطغيانه ، ونظيره قوله :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا
إلى قوله :
إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ
[ إبراهيم : 42 ] وهذه الموعظة لا تؤثر إلا في قلب من له قدم صدق ، أما الجاهل فيغضب ولا يعتقد إلا الفرح العاجل والقول الثاني : أنه تعالى يرده ويرجعه إلى النقصان والفقر والموت ، كما رده من النقصان إلى الكمال ، حيث نقله من الجمادية إلى الحياة ، ومن الفقر إلى الغنى ، ومن الذل إلى العز ، فما هذا التعزز والقوة .
المسألة الثالثة :
روي أن أبا جهل قال للرسول عليه الصلاة والسلام : أتزعم أن من استغنى طغى ، فاجعل لنا جبال مكة ذهبا وفضة لعلنا نأخذ منها فنطغى ، فندع ديننا ونتبع دينك ، فنزل جبريل وقال : إن شئت فعلنا ذلك ، ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم مثل ما فعلنا بأصحاب المائدة ، فكف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الدعاء إبقاء عليهم .
[ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 9 إلى 10 ]
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ( 9 ) عَبْداً إِذا صَلَّى ( 10 )
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : روي عن أبي جهل لعنه اللّه أنه قال : هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا : نعم ، قال : فوالذي يحلف به لئن رأيته لأطأن عنقه ، ثم إنه رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الصلاة فنكص على عقبيه ، فقالوا له : مالك يا أبا الحكم ؟ فقال : إن بيني وبينه لخندقا من نار وهو لا شديدا . وعن الحسن أن أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة .
واعلم أن ظاهر الآية هو الإنسان المتقدم ذكره ، فلذلك قالوا : إنه ورد في أبي جهل ، وذكروا ما كان منه من التوعد لمحمد عليه الصلاة والسلام حين رآه يصلي ، ولا يمتنع أن يكون نزولها في أبي جهل ، ثم يعم في الكل ، لكن ما بعده يقتضي أنه في رجل بعينه .
المسألة الثانية : قوله :
أَ رَأَيْتَ
خطاب مع الرسول على سبيل التعجب ، ووجه التعجب فيه أمور أحدها :
أنه عليه السلام قال : اللهم أعز الإسلام إما بأبي جهل بن هشام أو بعمر ،
فكأنه تعالى قال له : كنت تظن أنه يعز به الإسلام ، أمثله يعز به الإسلام ، وهو ينهى عبدا إذا صلى وثانيها : أنه كان يلقب بأبي الحكم ، فكأنه تعالى يقول : كيف يليق به هذا اللقب وهو ينهى العبد عن خدمة ربه ، أيوصف بالحكمة من يمنع عن طاعة الرحمن ويسجد للأوثان ! وثالثها : أن ذلك الأحمق يأمر وينهى ، ويعتقد أنه يجب على الغير طاعته ، مع أنه ليس