تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
الأطعمة الممرضة وشرور الماء والنار ، فإن قيل الآلام الحاصلة عقيب الماء والنار ولدغ الحية والعقرب حاصلة بخلق اللّه تعالى ابتداء ، على قول أكثر المتكلمين ، أو متولدة من قوى خلقها اللّه تعالى في هذه الأجرام ، على ما هو قول جمهور الحكماء وبعض المتكلمين ، وعلى التقديرين فيصير حاصل الآية أنه تعالى أمر الرسول عليه السلام بأن يستعيذ باللّه من اللّه ، فما معناه ؟ قلنا : وأي بأس بذلك ، ولقد صرح عليه السلام بذلك ، فقال : « وأعوذ بك منك » ورابعها : أراد به ما خلق من الأمراض والأسقام والقحط وأنواع المحن والآفات ، وزعم الجبائي والقاضي أن هذا التفسير باطل ، لأن فعل اللّه تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شر ، قالوا : / ويدل عليه وجوه الأول : أنه يلزم على هذا التقدير أن الذي أمر بالتعوذ منه هو الذي أمرنا أن نتعوذ به ، وذلك متناقض والثاني : أن أفعال اللّه كلها حكمة وصواب ، وذلك لا يجوز أن يقال : إنه شر والثالث : أن فعل اللّه لو كان شرا لوصف فاعله بأنه شرير ويتعالى اللّه عن ذلك والجواب : عن الأول أنا بينا أنه لا امتناع في قوله أعوذ بك منك ؟ وعن الثاني أن الإنسان لما تألم به فإنه يعد شرا ، فورد اللفظ على وفق قوله ، كما في قوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] وقوله :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 194 ] وعن الثالث أن أسماء اللّه توقيفية لا اصطلاحية ، ثم الذي يدل على جواز تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى :
إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً
[ المعارج : 20 ] وقوله :
وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
[ فصلت : 51 ] وكان عليه السلام يقول : « وأعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار » . المسألة الثانية : طعن بعض الملحدة في قوله :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ
من وجوه أحدها : أن المستعاذ منه أهو واقع بقضاء اللّه وقدره ، أو لا بقضاء اللّه ولا بقدره ؟ فإن كان الأول فكيف أمر بأن يستعيذ باللّه منه ، وذلك لأن ما قضى اللّه به وقدره فهو واقع ، فكأنه تعالى يقول : الشيء الذي قضيت بوقوعه ، وهو لا بد واقع فاستعذ بي منه حتى لا أوقعه ، وإن لم يكن بقضائه وقدره فذلك يقدح في ملك اللّه وملكوته وثانيها : أن المستعاذ منه إن كان معلوم الوقوع فلا دافع له ، فلا فائدة في الاستعاذة وإن كان معلوم اللاوقوع ، فلا حاجة إلى الاستعاذة وثالثها : أن المستعاذ منه إن كان مصلحة فكيف رغب المكلف في طلب دفعه ومنعه ، وإن كان مفسدة فكيف خلقه وقدره ، واعلم أن الجواب عن أمثال هذه الشبهات ، أن يقال إنه :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
[ الأنبياء : 23 ] وقد تكرر هذا الكلام في هذا الكتاب .

[ سورة الفلق ( 113 ) : آية 3 ]

وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ( 3 ) ذكروا في الغاسق وجوها أحدها : أن الغاسق هو الليل إذا عظم ظلامه من قوله :
إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ
[ الإسراء : 78 ] ومنه غسقت العين إذا امتلأت دمعا وغسقت الجراحة إذا امتلأت دما ، وهذا قول الفراء وأبي عبيدة ، وأنشد ابن قيس :
إن هذا الليل قد غسقا * واشتكيت الهم والأرقا
وقال الزجاج الغاسق في اللغة هو البارد ، وسمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار ، ومنه قوله إنه الزمهرير وثالثها : قال قوم : الغاسق والغساق هو السائل من قولهم : غسقت العين تغسق غسقا إذا سالت بالماء ، وسمي الليل غاسقا لانصباب ظلامه على الأرض ، أما الوقوب فهو الدخول في شيء آخر بحيث يغيب عن العين ،