المسألة الأولى : اعلم أن معرفة اللّه تعالى جنة حاضرة إذ الجنة أن تنال ما يوافق عقلك وشهوتك ، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه ، ولا كان القبر سجنا على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه ، ثم إن معرفة اللّه تعالى مما يريدها الهوى والعقل ، فصارت جنة مطلقة ، وبيان ما قلنا : أن العقل يريد أمينا تودع عنده الحسنات ، والشهوة تريد غنيا يطلب منه المستلذات ، بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه ، والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غني ، فإنه ينشط للانتجاع إليه ، بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه في النعم المتربصة ، فلما عرفاه كما أراده عالما وغنيا تعلقا بذيله ، فقال العقل : لا أشكر أحدا سواك ، وقالت الشهوة : لا أسأل أحدا إلا إياك ، ثم جاءت الشبهة فقالت : يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلا ؟ ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل هاهنا بابا آخر ؟ فبقي العقل متحيرا وتنغصت عليه تلك الراحة ، فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال : كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري ، فبعث اللّه رسوله وقال : لا تقله من عند نفسك ، بل قل هو الذي عرفته صادقا / يقول لي :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل ، وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات اللّه تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات ، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل جواز وقوعه وقسم ثالث يمكن الوصول إليه بالعقل والسمع معا ، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما ، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] .
المسألة الثانية : اعلم أنهم أجمعوا على أنه لا بد في سورة :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
من قل وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل في سورة :
تَبَّتْ
وأما في هذه السورة فقد اختلفوا ، فالقراءة المشهورة :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وقرأ أبي وابن مسعود بغير قل هكذا :
هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ، بدون ( قل هو ) هكذا :
اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ
فمن أثبت قل قال : السبب فيه بيان أن النظم ليس في مقدوره ، بل يحكي كل ما يقال له ، ومن حذفه قال : لئلا يتوهم أن ذلك ما كان معلوما للنبي عليه الصلاة والسلام .
المسألة الثالثة : اعلم أن في إعراب هذه الآية وجوها أحدها : أن هو كناية عن اسم اللّه ، فيكون قوله : اللّه مرتفعا بأنه خبر مبتدأ ، ويجوز في قوله :
أَحَدٌ
ما يجوز في قولك : زيد أخوك قائم الثاني : أن هو كناية عن الشأن ، وعلى هذا التقرير يكون اللّه مرتفعا بالابتداء وأحد خبره ، والجملة تكون خبرا عن هو ، والتقدير الشأن والحديث : هو أن اللّه أحد ، ونظيره قوله :
فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الأنبياء : 97 ] إلا أن هي جاءت على التأنيث ، لأن في التفسير : اسما مؤنثا ، وعلى هذا جاء :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ
[ الحج : 46 ] أما إذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة كقوله :
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً
[ طه : 74 ] والثالث : قال الزجاج : تقدير هذه الآية أن هذا الذي سألتم عنه هو اللّه أحد .
المسألة الرابعة : في
أَحَدٌ
وجهان أحدهما : أنه بمعنى واحد ، قال الخليل ، يجوز أن يقال : أحد اثنان وأصل أحد وحد إلا أنه قلبت الواو همزة للتخفيف وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة والمكسورة كقولهم :
وجوه وأجوه وسادة وأسادة والقول الثاني : أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين قال الأزهري : لا يوصف