تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
لا يكون الرسول رسولا إليهم فأزال الواسطة وفي ذلك الوقت يكونون مطيعين لا كافرين فلذلك ذكره بلفظ الماضي ، وأما هاهنا فهم كانوا موصوفين بالكفر ، وكان الرسول رسولا إليهم ، فلا جرم قال :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
. السؤال الثالث : قوله هاهنا :
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
خطاب مع الكل أو مع البعض ؟ الجواب : لا يجوز أن يكون قوله :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
خطابا مع الكل ، لأن في الكفار من يعبد اللّه كاليهود والنصارى فلا يجوز أن يقول لهم :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
ولا يجوز أيضا أن يكون قوله :
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
خطابا مع الكل ، لأن في الكفار من آمن وصار بحيث يعبد اللّه ، فإذن وجب أن يقال : إن قوله :
يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
خطاب مشافهة مع أقوام مخصوصين وهم الذين قالوا نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة ، والحاصل أنا لو حملنا الخطاب على العموم دخل التخصيص ، ولو حملنا على أنه خطاب مشافهة لم يلزمنا ذلك ، فكان حمل الآية على هذا المحمل أولى . أما قوله تعالى :

[ سورة الكافرون ( 109 ) : الآيات 2 إلى 5 ]

لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) ففيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية قولان : أحدهما : أنه لا تكرار فيها والثاني : أن فيها تكرارا أما الأول : فتقريره من وجوه أحدها : أن الأول للمستقبل ، والثاني للحال والدليل على أن الأول للمستقبل أن لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال ، أن ترى أن لن تأكيد فيما ينفيه لا ، وقال الخليل في لن أصله لا أن ، إذا ثبت هذا فقوله :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
أي لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلبه منكم من عبادة إلهي ، ثم قال :
وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ
أي ولست في الحال بعابد معبودكم ولا أنتم في الحال بعابدين لمعبودي الوجه الثاني : أن تقلب الأمر فتجعل الأول للحال والثاني للاستقبال والدليل على أن قول :
وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ
للاستقبال أنه رفع لمفهوم قولنا : أنا عابد ما عبدتم ولا شك أن هذا للاستقبال بدليل أنه لو قال : أنا قاتل زيدا فهم منه الاستقبال الوجه الثالث : قال بعضهم : كل واحد منهما يصلح للحال وللاستقبال ، ولكنا نخص إحداها بالحال ، والثاني بالاستقبال دفعا للتكرار ، فإن قلنا : إنه أخبر عن الحال ، ثم عن الاستقبال ، فهو الترتيب ، وإن قلنا : أخبر أولا عن الاستقبال ، فلأنه هو الذي دعوه إليه ، فهو الأهم فبدأ به ، فإن قيل : ما فائدة الإخبار عن الحال وكان معلوما أنه ما كان يعبد الصنم ، وأما الكفار فكانوا يعبدون اللّه في بعض الأحوال ؟ قلنا : أما الحكاية عن نفسه فلئلا يتوهم الجاهل أنه يعبدها سرا خوفا منها أو طمعا إليها وأما نفيه عبادتهم فلأن فعل الكافر ليس بعبادة أصلا . الوجه الرابع وهو اختيار أبي مسلم أن المقصود من الأولين المعبود وما بمعنى الذي ، فكأنه قال : لا أعبد الأصنام ولا تعبدون اللّه ، وأما في الأخيرين فما مع الفعل في تأويل المصدر أي لا أعبد عبادتكم المبنية على الشرك وترك النظر ، ولا أنتم تعبدون عبادتي