فلما أخذ علي السكين تباعدت منه
والجواب عن الثاني : أن الصلاة أعظم العبادات البدنية فقرن بها أعظم أنواع الضحايا ، وأيضا فيه إشارة إلى أنك بعد فقرك تصير بحيث تنحر المائة من الإبل .
المسألة التاسعة : دلت الآية على وجوب تقديم الصلاة على النحر ، لا لأن الواو توجب الترتيب ، بل
لقوله عليه السلام : « ابدءوا بما بدأ اللّه به » .
المسألة العاشرة : السورة مكية في أصح الأقوال ، وكان الأمر بالنحر جاريا مجرى البشارة بحصول الدولة ، وزوال الفقر والخوف .
[ سورة الكوثر ( 108 ) : آية 3 ]
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ( 3 )
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها أحدها : أنه عليه السلام كان يخرج من المسجد ، والعاص بن وائل السهمي يدخل فالتقيا فتحدثا ، وصناديد قريش في المسجد فلما دخل قالوا من الذي كنت تتحدث معه ؟ فقال : ذلك الأبتر ، وأقول : إن ذلك من إسرار بعضهم مع بعض ، مع أن اللّه تعالى أظهره ، فحينئذ يكون ذلك معجزا ، وروي أيضا أن العاص بن وائل كان يقول : إن محمدا أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده ، فإذا مات انقطع ذكره واسترحم منه ، وكان قد مات ابنه عبد اللّه من خديجة ، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير القول الثاني : روي عن ابن عباس لما قدم كعب بن الأشرف مكة أتاه جمامة قريش فقالوا :
نحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيد أهل المدينة ، فنحن خير أم هذا الأبتر من قومه ، يزعم أنه خير منا ؟ فقال :
بل أنتم خير منه فنزل :
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
ونزل أيضا :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ
[ النساء : 51 ] ، والقول الثالث : قال عكرمة وشهر بن حوشب : لما أوحى اللّه إلى رسوله ودعا قريشا إلى الإسلام ، قالوا : بتر محمد أي خالفنا وانقطع / عنا ، فأخبر تعالى أنهم هم المبتورون القول الرابع : نزلت في أبي جهل فإنه لما مات ابن رسول اللّه قال أبو جهل : إن أبغضه لأنه أبتر ، وهذا منه حماقة حيث أبغضه بأمر لم يكن باختياره فإن موت الابن لم يكن مراده القول الخامس : نزلت في عمه أبي لهب فإنه لما شافهه بقوله : تبا لك كان يقول في غيبته : إنه أبتر والقول السادس : أنها نزلت في عقبة بن أبي معيط ، وإنه هو الذي كان يقول ذلك ، واعلم أنه لا يبعد في كل أولئك الكفرة أن يقولوا مثل ذلك فإنهم كانوا يقولون فيه ما هو أسوأ من ذلك ، ولعل العاص بن وائل كان أكثرهم مواظبة على هذا القول فلذلك اشتهرت الروايات بأن الآية نزلت فيه .
المسألة الثانية : الشنآن هو البغض والشانئ هو المبغض ، وأما البتر فهو في اللغة استئصال القطع يقال :
بترته أبتره بترا وبتر أي صار أبتر وهو مقطوع الذنب ، ويقال : للذي لا عقب له أبتر ، ومنه الحمار الأبتر الذي لا ذنب له ، وكذلك لمن انقطع عنه الخير .
ثم إن الكفار لما وصفوه بذلك بين تعالى أن الموصوف بهذه الصفة هو ذلك المبغض على سبيل الحصر فيه ، فإنك إذا قلت : زيد هو العالم يفيد أنه لا عالم غيره ، إذا عرفت هذا فقول الكفار فيه عليه الصلاة والسلام :
إنه أبتر لا شك أنهم لعنهم اللّه أرادوا به أنه انقطع الخير عنه .