الأمر ظرفا ترك على حالة الأكثرية ، والدليل عليه إجماع القراء والعرب في قوله :
مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ
[ الأعراف : 168 ] ولا يرفع ذلك أحد . ومما يقوي النصب قوله :
وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ
[ القارعة : 3 ، 4 ] وقوله :
يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
[ الذاريات : 12 ، 13 ] فالنصب في
يَوْمَ لا تَمْلِكُ
مثل هذا .
المسألة الرابعة : تمسكوا في نفي الشفاعة للعصاة بقوله :
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً
وهو كقوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً *
[ البقرة : 48 ] والجواب : عنه قد تقدم في سورة البقرة .
المسألة الخامسة : أن أهل الدنيا كانوا يتغلبون على الملك ويعين بعضهم بعضا في أمور ، ويحمي بعضهم بعضا ، فإذا كان يوم القيامة بطل ملك بنى الدنيا وزالت رئاستهم ، فلا يحمي أحد أحدا ، ولا يغني أحد عن أحد ، ولا يتغلب أحد على ملك ، ونظيره قوله :
وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
وقوله :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[ الفاتحة : 4 ] وهو وعيد عظيم من حيث إنه عرفهم أنه لا يغني عنهم إلا البر والطاعة يومئذ دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا من مال وولد وأعوان وشفعاء . قال الواحدي : والمعنى أن اللّه تعالى لم يملك في ذلك اليوم أحدا شيئا من الأمور ، كما ملكهم في دار الدنيا . قال الواسطي : في قوله :
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً
إشارة إلى فناء غير اللّه تعالى ، وهناك تذهب الرسالات والكلمات والغايات ، فمن كانت صفته في الدنيا كذلك كانت دنياه أخراه .
وأما قوله :
وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
فهو إشارة إلى أن البقاء والوجود للّه ، والأمر كذلك في الأزل وفي اليوم وفي الآخرة ، ولم يتغير من حال إلى حال ، فالتفاوت عائد إلى أحوال الناظر ، لا إلى أحوال المنظور إليه ، فالكاملون لا تتفاوت أحوالهم بحسب تفاوت الأوقات ، كما
قال : لو كشف / الغطاء ما ازددت يقينا ،
و
كحارثة لما أخبر بحضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « كأني أنظر وكأني وكأني »
واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد للّه رب العالمين .