والتشديد ، ومعنى ثم الإشعار بأن الوعيد الثاني أبلغ من الوعيد الأول وأشدو الثاني : أن ذلك ليس بتكرير ، ثم ذكروا وجوها أحدها : قال الضحاك الآية الأولى للكفار والثانية للمؤمنين أي سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم وثانيها : قال القاضي : ويحتمل أن يريد بالأول سيعلمون نفس الحشر والمحاسبة ، ويريد بالثاني سيعلمون نفس العذاب إذا شاهدوه وثالثها :
كَلَّا سَيَعْلَمُونَ
ما اللّه فاعل بهم يوم القيامة
ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ
أن الأمر ليس كما كانوا يتوهمون من أن اللّه غير باعث لهم ورابعها :
كَلَّا سَيَعْلَمُونَ
ما يصل إليهم من العذاب في الدنيا وكما جرى على كفار قريش يوم بدر
ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ
بما ينالهم في الآخرة .
المسألة الثالثة : جمهور القراء قرءوا بالياء المنقطة من تحت في ( سيعلمون ) وروي بالتاء المنقطة من فوق عن ابن عامر . قال الواحدي : والأول أولى ، لأن ما تقدم من قوله :
هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ
[ النبأ : 3 ] على لفظ الغيبة ، والتاء على قل لهم : ستعلمون ، وأقول : يمكن أن يكون ذلك على سبيل الالتفات ، وهو هاهنا متمكن حسن ، كمن يقول : إن عبدي يقول كذا وكذا ، ثم يقول لعبده : إنك ستعرف وبال هذا الكلام .
[ سورة النبأ ( 78 ) : آية 6 ]
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ( 6 )
اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم إنكار البعث والحشر ، وأراد إقامة الدلالة على صحة الحشر قدم لذلك مقدمة في بيان كونه تعالى قادرا على جميع الممكنات عالما بجميع المعلومات ، وذلك لأنه مهما ثبت هذان الأصلان ثبت القول بصحة البعث ، وإنما أثبت هذين الأصلين بأن عدد أنواعا من مخلوقاته الواقعة على وجه الإحكام والإتقان ، فإن تلك الأشياء من جهة حدوثها تدل على القدرة ، ومن جهة إحكامها وإتقانها تدل على العلم ، ومتى ثبت هذان الأصلان وثبت أن الأجسام متساوية في قبول الصفات والأعراض ، ثبت لا محالة كونه تعالى قادرا على تخريب الدنيا بسماواتها وكواكبها وأرضها ، وعلى إيجاد عالم الآخرة ، فهذا هو الإشارة إلى كيفية النظم .
واعلم أنه تعالى ذكر هاهنا من عجائب مخلوقاته أمورا فأولها : قوله :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً
والمهاد مصدر ، ثم هاهنا احتمالات أحدها : المراد منه هاهنا الممهود ، أي ألم نجعل الأرض ممهودة / وهذا من باب تسمية المفعول بالمصدر ، كقولك هذا ضرب الأمير وثانيها : أن تكون الأرض وصفت بهذا المصدر ، كما تقول : زيد جود وكرم وفضل ، كأنه لكماله في تلك الصفة صار عين تلك الصفة وثالثها : أن تكون بمعنى ذات مهاد ، وقرئ مهدا ، ومعناه أن الأرض للخلق كالمهد للصبي ، وهو الذي مهد له فينوم عليه .
واعلم أنا ذكرنا في تفسير سورة البقرة عند قوله :
جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
[ البقرة : 22 ] كل ما يتعلق من الحقائق بهذه الآية . وثانيها : قوله تعالى :
[ سورة النبأ ( 78 ) : آية 7 ]
وَالْجِبالَ أَوْتاداً ( 7 )
أي للأرض [ كي ] لا تميد بأهلها ، فيكمل كون الأرض مهادا بسبب ذلك قد تقدم أيضا . وثالثها : قوله تعالى :