وإعلاء قدره وأظهر روحه من بين جماله وجلاله ، وتوجه بتاج الكرامة وزينه برداء الجلال والهيبة . قوله تعالى :
[ سورة الانفطار ( 82 ) : آية 9 ]
كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ( 9 )
اعلم أنه سبحانه لما بين بالدلائل العقلية على صحة القول / بالبعث والنشور على الجملة ، فرع عليها شرح تفاصيل الأحوال المتعلقة بذلك ، وهو أنواع :
النوع الأول : أنه سبحانه زجرهم عن ذلك الاغترار بقوله :
كَلَّا
و
بَلْ
حرف وضع في اللغة لنفي شيء قد تقدم وتحقق غيره ، فلا جرم ذكروا في تفسير
كَلَّا
وجوها الأول : قال القاضي : معناه أنكم لا تستقيمون على توجيه نعمي عليكم وإرشادي لكم ، بل تكذبون بيوم الدين الثاني : كلا أي ارتدعوا عن الاغترار بكرم اللّه ، ثم كأنه قال : وإنكم لا ترتدعون عن ذلك بل تكذبون بالدين أصلا الثالث : قال القفال : كلا أي ليس الأمر كما تقولون من أنه لا بعث ولا نشور ، لأن ذلك يوجب أن اللّه تعالى خلق الخلق عبثا وسدى ، وحاشاه من ذلك ، ثم كأنه قال : وإنكم لا تنتفعون بهذا البيان بل تكذبون ، وفي قوله :
تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ
وجهان الأول : أن يكون المراد من الدين الإسلام ، والمعنى أنكم تكذبون بالجزاء على الدين والإسلام الثاني : أن يكون المراد من الدين الحساب ، والمعنى أنكم تكذبون بيوم الحساب . النوع الثاني : قوله تعالى :
[ سورة الانفطار ( 82 ) : الآيات 10 إلى 12 ]
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ ( 10 ) كِراماً كاتِبِينَ ( 11 ) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ( 12 )
والمعنى التعجب من حالهم ، كأنه سبحانه قال : إنكم تكذبون بيوم الدين وهو يوم الحساب والجزاء ، وملائكة اللّه موكلون بكم يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة ، ونظيره قوله تعالى :
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
[ ق : 17 ، 18 ] وقوله تعالى :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً
[ الأنعام : 61 ] ثم هاهنا مباحث :
الأول : من الناس من طعن في حضور الكرام الكاتبين من وجوه : أحدها : أن هؤلاء الملائكة ، إما أن يكونوا مركبين من الأجسام اللطيفة كالهواء والنسيم والنار ، أو من الأجسام الغليظة ، فإن كان الأول لزم أن تنتقض بنيتهم بأدنى سبب من هبوب الرياح الشديدة وإمرار اليد والكم والسوط في الهواء ، وإن كان الثاني وجب أن نراهم إذ لو جاز أن يكونوا حاضرين ولا نراهم ، لجاز أن يكون بحضرتنا شموس وأقمار وفيلات وبوقات ، ونحن لا نراها ولا نسمعها وذلك دخول في التجاهل ، وكذا القول في إنكار صحائفهم وذواتهم وقلمهم وثانيها : أن هذا الاستكتاب إن كان خاليا عن الفوائد فهو عبث وذلك غير جائز على اللّه تعالى ، وإن كان فيه فائدة فتلك الفائدة ، إما أن تكون عائدة إلى اللّه تعالى أو إلى العبد والأول : محال لأنه متعال عن النفع والضر ، وبهذا يظهر بطلان قول من يقول : إنه تعالى إنما استكتبها خوفا من النسيان الغلط والثاني : أيضا محال ، لأن أقصى ما في الباب أن يقال : فائدة هذا الاستكتاب أن يكونوا شهودا على الناس وحجة عليهم يوم القيامة إلا أن هذه الفائدة ضعيفة ، لأن الإنسان الذي علم أن اللّه تعالى لا يجور ولا يظلم ، لا يحتاج في حقه إلى إثبات هذه