فيه قولان : الأول : أي شيء يجعلك داريا بحال هذا الأعمى لعله يتطهر بما يتلقن منك ، من الجهل أو الإثم ، أو يتعظ فتنفعه ذكراك أي موعظتك ، فتكون له لطفا في بعض الطاعات ، وبالجملة فلعل ذلك العلم الذي يتلقفه عنك يطهره عن بعض ما لا ينبغي ، وهو الجهل والمعصية ، أو يشغله ببعض ما ينبغي وهو الطاعة أن الضمير في لعله للكافر ، بمعنى أنت طمعت في أن يزكى الكافر بالإسلام أو يذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق :
وَما يُدْرِيكَ
أن ما طمعت فيه كائن ، وقرئ فتنفعه بالرفع عطفا على يذكر ، وبالنصب جوابا للعل ، كقوله :
فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى
[ غافر : 37 ] وقد مر . ثم قال :
[ سورة عبس ( 80 ) : آية 5 ]
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 )
قال عطاء : يريد عن الإيمان ، وقال الكلبي : استغنى عن اللّه ، وقال بعضهم : استغنى أثرى وهو فاسد هاهنا ، لأن إقبال النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن لثروتهم ومالهم حتى يقال له أما من أثرى ، فأنت تقبل عليه ، ولأنه قال :
وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى
[ عبس : 8 ، 9 ] ولم يقل : وهو فقير عديم ، ومن قال : أما من استغنى بماله فهو صحيح ، لأن المعنى أنه استغنى عن الإيمان والقرآن ، بماله من المال . وقوله تعالى :
[ سورة عبس ( 80 ) : آية 6 ]
فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 )
قال الزجاج : أي أنت تقبل عليه وتتعرض له وتميل إليه ، يقال تصدى فلان لفلان ، يتصدى إذا تعرض له ، والأصل فيه تصدد يتصدى من الصدد ، وهو ما استقبلك وصار قبالتك ، وقد ذكرنا مثل هذا في قوله :
إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
[ الأنفال : 35 ] وقرئ : ( تصدى ) بالتشديد بإدغام التاء في الصاد ، وقرأ أبو جعفر : تصدى ، بضم التاء ، أي تعرض ، ومعناه يدعوك داع إلى التصدي له من الحرص ، والتهالك على إسلامه . ثم قال تعالى :
[ سورة عبس ( 80 ) : آية 7 ]
وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى ( 7 )
المعنى لا شيء عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى الإسلام ، فإنه ليس عليك إلا البلاغ ، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم إلى أن تعرض عمن أسلم للاشتغال بدعوتهم . / ثم قال :
[ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 8 إلى 9 ]
وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 )
أن يسرع في طلب الخير ، كقوله :
فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
[ الجمعة : 9 ] .
وقوله :
وَهُوَ يَخْشى
فيه ثلاثة أوجه يخشى اللّه ويخافه في أن لا يهتم بأداء تكاليفه ، أو يخشى الكفار وأذاهم في إتيانك ، أو يخشى الكبوة فإنه كان أعمى ، وما كان له قائد . [ ثم قال ] :
[ سورة عبس ( 80 ) : آية 10 ]
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ( 10 )
أي تتشاغل من لهى عن الشيء والتهى وتلهى ، وقرأ طلحة بن مصرف . تتلهى ، وقرأ أبو جعفر
تَلَهَّى
أي يلهيك شأن الصناديد ، فإن قيل قوله :
فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى
. . .
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى
كان فيه اختصاصا ، قلنا نعم ،