تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
أن اللّه قادر على الممكنات فلو قدرنا قادرا آخر قدر على بعض الممكنات ، لزم وقوع مقدور واحد بين قادرين من جهة واحدة ، وذلك محال ، لأنه إما أن يقع بأحدهما دون الآخر وهو محال ، لأنهما لما كانا مستقلين بالاقتضاء فليس وقوعه بهذا أولى من وقوعه بذاك أو بهما معا ، وهو أيضا محال لأنه يستغني بكل واحد منهما عن كل واحد منهما ، فيكون محتاجا إليهما معا وغنيا عنهما معا وهو محال ، فثبت بهذا أنه لا يمكن وقوع ممكن آخر بسبب آخر سوى قدرة اللّه تعالى ، وهذا الكلام جيد ، لكن على قول من لا يثبت في الوجود مؤثرا سوى الواحد ، فهذا جملة ما في هذا الباب . [ في قوله تعالى
رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها
] واعلم أنه تعالى لما بين في السماء أنه بناها ، بين بعد ذلك أنه كيف بناها ، وشرح تلك الكيفية من وجوه : أولها : ما يتعلق بالمكان ، فقال تعالى :
رَفَعَ سَمْكَها
. واعلم أن امتداد الشيء إذا أخذ من أعلاه إلى أسفله سمي عمقا ، وإذا أخذ من أسفله إلى أعلاه سمي سمكا ، فالمراد برفع سمكها شدة علوها حتى ذكروا أن ما بين الأرض وبينها مسيرة خمسمائة عام ، و [ قد ] بين أصحاب الهيئة مقادير الأجرام الفلكية وأبعاد ما بين كل واحد منها وبين الأرض . وقال آخرون : بل المراد : رفع سمكها من غير عمد . وذلك مما لا يصح إلا من اللّه تعالى . الصفة الثانية : قوله تعالى :
فَسَوَّاها
وفيه وجهان الأول : المراد تسوية تأليفها ، وقيل : بل المراد نفي الشقوق عنها ، كقوله :
ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
[ الملك : 3 ] والقائلون بالقول الأول قالوا :
فَسَوَّاها
عام فلا يجوز تخصيصه بالتسوية في بعض الأشياء ، ثم قال هذا يدل على كون / السماء كرة ، لأنه لو لم يكن كرة لكان بعض جوانبه سطحا ، والبعض زاوية ، والبعض خطا ، ولكان بعض أجزائه أقرب إلينا ، والبعض أبعد ، فلا تكون التسوية الحقيقة حاصلة ، فوجب أن يكون كرة حتى تكون التسوية الحقيقة حاصلة ، ثم قالوا لما ثبت أنها محدثة مفتقرة إلى فاعل مختار ، فأي ضرر في الدين ينشأ من كونها كرة ؟ .

[ سورة النازعات ( 79 ) : آية 29 ]

وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها ( 29 ) الصفة الثالثة : قوله تعالى :
وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها
وفيه مسائل : المسألة الأولى : أغطش قد يجيء لازما ، يقال : أغطش الليل إذا صار مظلما ويجيء متعديا يقال : أغطشه اللّه إذا جعله مظلما ، والغطش الظلمة ، والأغطش شبه الأعمش ، ثم هاهنا سؤال وهو أن الليل اسم لزمان الظلمة الحاصلة بسبب غروب الشمس ، فقوله :
وَأَغْطَشَ لَيْلَها
يرجع معناه إلى أنه جعل المظلم مظلما ، وهو بعيد والجواب : معناه أن الظلمة الحاصلة في ذلك الزمان إنما حصلت بتدبير اللّه وتقديره : وحينئذ لا يبقى الإشكال . المسألة الثانية : قوله :
وَأَخْرَجَ ضُحاها
أي أخرج نهارا ، وإنما عبر عن النهار بالضحى ، لأن الضحى أكمل أجزاء النهار في النور والضوء . المسألة الثالثة : إنما أضاف الليل والنهار إلى السماء ، لأن الليل والنهار إنما يحدثان بسبب غروب الشمس وطلوعها ، ثم غروبها وطلوعها إنما يحصلان بسبب حركة الفلك ، فلهذا السبب أضاف الليل والنهار إلى