ويوم فتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجا ، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب ، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن ، و [ ما ] هدم بأيديهم من ممالك الجبابرة ، وأنهبهم من كنوز الأكاسرة ، وما قذف في أهل الشرق والغرب من الرعب وتهييب الإسلام وفشو الدعوة ، واعلم أن الأولى حمل الآية على خيرات الدنيا والآخرة ، وهاهنا سؤالات .
السؤال الأول : لم لم يقل : يعطيكم مع أن هذه السعادات حصلت للمؤمنين أيضا ؟ الجواب : لوجوه :
أحدها : أنه المقصود وهم أتباع وثانيها : أني إذا أكرمت أصحابك فذاك في الحقيقة إكرام لك ، لأني أعلم أنك بلغت في الشفقة عليهم إلى حيث تفرح بإكرامهم فوق / ما تفرح بإكرام نفسك ، ومن ذلك حيث تقول الأنبياء :
نفسي نفسي ، أي أبدأ بجزائي وثوابي قبل أمتي ، لأن طاعتي كانت قبل طاعة أمتي ، وأنت تقول : أمتي أمتي ، أي أبدأ بهم ، فإن سروري أن أراهم فائزين بثوابهم وثالثها : أنك عاملتني معاملة حسنة ، فإنهم حين شجوا وجهك ، قلت : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » وحين شغلوك يوم الخندق عن الصلاة ، قلت : « اللهم املأ بطونهم نارا » فتحملت الشجة الحاصلة في وجه جسدك ، وما تحملت الشجة الحاصلة في وجه دينك ، فإن وجه الدين هو الصلاة ، فرجحت حقي على حقك ، لا جرم فضلتك ، فقلت من ترك الصلاة سنين ، أو حبس غيره عن الصلاة سنين لا أكفره ، ومن آذى شعرة من شعراتك ، أو جزء من نعلك أكفره .
السؤال الثاني : ما الفائدة في قوله :
وَلَسَوْفَ
ولم لم يقل : وسيعطيك ربك ؟ الجواب : فيه فوائد إحداها : أنه يدل على أنه ما قرب أجله ، بل يعيش بعد ذلك زمانا وثانيها : أن المشركين لما قالوا : ودعه ربه وقلاه فاللّه تعالى رد عليهم بعين تلك اللفظة ، فقال :
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى
[ الضحى : 3 ] ثم قال المشركون : سوف يموت محمد ، فرد اللّه عليهم ذلك بهذه اللفظة فقال :
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
.
السؤال الثالث : كيف يقول اللّه :
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
؟ الجواب : هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام جبريل عليه السلام معه ، لأنه كان شديد الاشتياق إليه وإلى كلامه كما ذكرنا ، فأراد اللّه تعالى أن يكون هو المخاطب له بهذه البشارات .
السؤال الرابع : ما هذه اللام الداخلة على سوف ؟ الجواب : قال صاحب « الكشاف » : هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة ، والمبتدأ محذوف تقديره : ولأنت سوف يعطيك ربك والدليل على ما قلنا أنها إما أن تكون لام القسم ، أو لام الابتداء ، ولام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد ، فبقي أن تكون لام ابتداء ، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر ، فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر ، وأن يكون أصله : ولأنت سوف يعطيك ، فإن قيل ما معنى الجمع بين حرفي التوكيد والتأخير ؟ قلنا معناه : أن العطاء كائن لا محالة ، وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة .
[ سورة الضحى ( 93 ) : آية 6 ]
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 )
فيه مسائل :
المسألة الأولى : أن اتصاله بما تقدم هو أنه تعالى يقول : ألم يجدك يتيما فقال الرسول : بلى يا رب ، فيقول : انظر [ أ ] كانت طاعاتك في ذلك الوقت أكرم أم الساعة ؟ فلا بد من أن يقال : بل الساعة فيقول اللّه : حين