المسألة الرابعة : دلت الآية على أن جهنم كانت مخلوفة لقوله تعالى :
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً
أي معدة ، وإذا كان كذلك كانت الجنة أيضا كذلك ، لأنه لا قائل بالفرق .
وثانيها : قوله :
[ سورة النبأ ( 78 ) : آية 22 ]
لِلطَّاغِينَ مَآباً ( 22 )
وفيه وجهان : إن قلنا إنه مرصاد للكفار فقط كان قوله :
لِلطَّاغِينَ
من تمام ما قبله ، والتقدير إن جهنم كانت مرصادا للطاغين ، ثم قوله :
مَآباً
بدل من قوله :
مِرْصاداً
وإن قلنا بأنها كانت مرصادا مطلقا للكفار وللمؤمنين ، كان قوله :
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً
[ النبأ : 21 ] كلاما تاما ، وقوله :
لِلطَّاغِينَ مَآباً
كلام مبتدأ كأنه قيل إن جهنم مرصاد للكل ، ومآب للطاغين خاصة ، ومن ذهب إلى القول الأول لم يقف على قوله مرصادا أما من ذهب إلى القول الثاني وقف عليه ، ثم يقول المراد بالطاغين من تكبر على ربه وطغى في مخالفته ومعارضته ، وقوله :
مَآباً
أي مصيرا ومقرا .
وثالثها :
[ سورة النبأ ( 78 ) : آية 23 ]
لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ( 23 )
اعلم أنه تعالى لما بين أن جهنم مآب للطاغين ، وبين كمية استقرارهم هناك ، فقال :
لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
وهاهنا مسائل :
المسألة الأولى : قرأ الجمهور :
لابِثِينَ
وقرأ حمزة لبثين وفيه وجهان قال الفراء هما بمعنى واحد يقال لابث ولبث ، مثل طامع . وطمع ، وفاره ، وفره ، وهو كثير ، وقال صاحب الكشاف واللبث أقوى لأن اللابث من وجد منه اللبث ، ولا يقال : لبث إلا لمن شأنه اللبث ، وهو أن يستقر في المكان ، ولا يكاد ينفك عنه .
المسألة الثانية : قال الفراء أصل الحقب من الترادف ، والتتابع يقال أحقب ، إذا أردف ومنه الحقيبة ومنه كل من حمل وزرا ، فقد احتقب ، فيجوز على هذا المعنى :
لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
أي دهورا متتابعة يتبع بعضها بعضا ، ويدل عليه قوله تعالى :
لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً
[ الكهف : 60 ] يحتمل سنين متتابعة إلى أن أبلغ أو آنس ، واعلم أن الأحقاب ، واحدها حقب وهو ثمانون سنة عند أهل اللغة ، والحقب السنون واحدتها حقبة وهي زمان من الدهر لا وقت له ثم نقل عن المفسرين فيه وجوه : أحدها : قال عطاء والكلبي ومقاتل عن ابن عباس في قوله :
أَحْقاباً
الحقب الواحد بضع وثمانون سنة ، والسنة ثلاثمائة وستون يوما ، واليوم ألف سنة من أيام الدنيا ، ونحو هذا روى ابن عمر مرفوعا وثانيها :
سأل هلال الهجري عليا عليه السلام . فقال الحقب مائة سنة ، والسنة اثنا عشر شهرا ، والشهر ثلاثون يوما ، واليوم ألف سنة
وثالثها : قال الحسن الأحقاب لا يدري أحد ما هي ، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة اليوم منها كألف سنة مما تعدون :
فإن قيل قوله أحقابا وإن طالت إلا أنها متناهية ، وعذاب أهل النار غير متناه ، بل لو قال لابثين فيها الأحقاب لم يكن هذا السؤال واردا ، ونظير هذا السؤال قوله / في أهل القبلة :
إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ *
قلنا : الجواب من وجوه : الأول : أن لفظ الأحقاب لا يدل على مضي حقب له نهاية وإنما الحقب الواحد متناه ، والمعنى أنهم