تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 609

مساهمون:

ص٦٠٩

[ سورة القلم ( 68 ) : آية 25 ]

وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ ( 25 ) وفيه أقوال : الأول : الحرد المنع يقال : حاردت السنة إذا قل مطرها ومنعت ريعها ، وحاردت الناقة إذا منعت لبنها فقل اللبن ، والحرد الغضب ، وهما لغتان الحرد والحرد والتحريك أكثر ، وإنما سمي الغضب بالحرد لأنه كالمانع من أن يدخل المغضوب منه في الوجود ، والمعنى وغدوا وكانوا عند أنفسهم وفي ظنهم قادرين على منع المساكين الثاني : قيل : الحرد القصد والسرعة ، يقال : حردت حردك قال الشاعر :
أقبل سيل جاء من أمر اللّه * يحرد حرد الجنة المغلة
وقطا حراد أي سراع ، يعني وغدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة ونشاط قادرين عند أنفسهم يقولون : نحن نقدر على صرامها ، ومنع منفعتها عن المساكين والثالث : قيل : حرد علم لتلك الجنة أي غدوا على تلك الجنة قادرين على صرامها عند أنفسهم ، أو مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان .

[ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 26 إلى 27 ]

فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ( 26 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 27 ) فيه وجوه أحدها : أنهم لما رأوا جنتهم محترقة ظنوا أنهم قد ضلوا الطريق فقالوا :
إِنَّا لَضَالُّونَ
ثم لما تأملوا وعرفوا أنها هي قالوا :
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
حرمنا خيرها بشؤم عزمنا على البخل ومنع الفقراء وثانيها : يحتمل / أنهم لما رأوا جنتهم محترقة قالوا : إنا لضالون حيث كنا عازمين على منع الفقراء ، وحيث كنا نعتقد كوننا قادرين على الانتفاع بها ، بل الأمر انقلب علينا فصرنا نحن المحرومين .

[ سورة القلم ( 68 ) : آية 28 ]

قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ ( 28 ) قوله تعالى :
قالَ أَوْسَطُهُمْ
يعني أعدلهم وأفضلهم وبينا وجهه في تفسير قوله :
أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] .
أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
يعني هلا تسبحون وفيه وجوه الأول : قال الأكثرون معناه هلا تستثنون فتقولون : إن شاء اللّه ، لأن اللّه تعالى إنما عابهم بأنهم لا يستثنون ، وإنما جاز تسمية قول : إن شاء اللّه بالتسبيح لأن التسبيح عبارة عن تنزيه اللّه عن كل سوء ، فلو دخل شيء في الوجود على خلاف إرادة اللّه ، لكان ذلك يوجب عودة نقص إلى قدرة اللّه ، فقولك : إن شاء اللّه ، يزيل هذا النقص ، فكان ذلك تسبيحا . واعلم أن لفظ القرآن يدل على أن القوم كانوا يحلفون ويتركون الاستثناء وكان أوسطهم ينهاهم عن ترك الاستثناء ويخوفهم من عذاب اللّه ، فلهذا حكى عن ذلك الأوسط أنه قال بعد وقوع الواقعة :
أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
. الثاني : أن القوم حين عزموا على منع الزكاة واغتروا بمالهم وقوتهم قال الأوسط لهم : توبوا عن هذه المعصية قبل نزول العذاب ، فلما رأوا العذاب ذكرهم ذلك الكلام الأول وقال :
لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
فلا جرم اشتغل القوم في الحال بالتوبة و :

[ سورة القلم ( 68 ) : آية 29 ]

قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 29 ) فتكلموا بما كان يدعوهم إلى التكلم به لكن بعد خراب البصرة الثالث : قال الحسن : هذا التسبيح هو
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 609 | فخر الدين الرازي