حيث لم تقطع الهمزة معها علمنا أنها في تقدير الوصل وإذا وصلتها أخفيت النون وقد ذكرنا هذا في
طس
[ النمل : 1 ] و
يس
، [ يس : 1 ] وقال الفراء : وإظهارها أعجب إلي لأنها هجاء والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل .
وقوله تعالى :
وَالْقَلَمِ
فيه قولان : أحدهما : أن القسم به هو الجنس وهو واقع على كل قلم يكتب به من في السماء ومن في الأرض ، قال تعالى :
وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
[ العلق : 3 - 5 ] فمنّ بتيسير الكتابة بالقلم كما منّ بالنطق فقال :
خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ
[ الرحمن : 3 ، 4 ] ووجه الانتفاع به أن ينزل الغائب منزلة المخاطب فيتمكن المرء من تعريف البعيد به ما يتمكن باللسان من تعريف القريب والثاني : أن المقسم به هو القلم المعهود الذي جاء في الخبر أن أول ما خلق اللّه القلم ، قال ابن عباس : أول ما خلق اللَّه القلم ثم قال له اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ، فجرى بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة من الآجال والأعمال ، قال : وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض ، وروى مجاهد عنه قال :
أول ما خلق اللَّه القلم فقال : اكتب القدر فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه . قال القاضي : هذا الخبر يجب حمله على المجاز ، لأن القلم الذي هو آلة مخصوصة في الكتابة لا يجوز أن يكون حياً عاقلًا فيؤمر وينهى فإن الجمع بين كونه حيوانا مكلفا وبين كونه آلة للكتابة محالة ، بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله :
إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ *
[ البقرة : 117 ] فإنه ليس هناك أمر ولا تكليف ، بل هو مجرد نفاذ القدرة في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة ، ومن الناس من زعم أن القلم المذكور هاهنا هو العقل ، وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات ، قالوا : والدليل عليه أنه
روي في الأخبار أن أول ما خلق اللَّه القلم ،
و
في خبر آخر : أول ما خلق اللَّه تعالى جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فذابت وتسخنت فارتفع منها دخان وزبد فخلق من الدخان السماوات ومن الزبد الأرض ،
قالوا : فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد وإلا حصل التناقض .
قوله تعالى :
وَما يَسْطُرُونَ
.
اعلم أن ما مع ما بعدها في تقدير المصدر ، فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم ، فيكون القسم واقعا بنفس الكتابة ، ويحتمل أن يكون المراد المسطور والمكتوب ، وعلى التقديرين فإن حملنا القلم على كل قلم في مخلوقات اللَّه كان المعنى ظاهرا ، وكأنه تعالى أقسم بكل قلم ، وبكل ما يكتب / بكل قلم ، وقيل : بل المراد ما يسطره الحفظة والكرام الكاتبون ، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه ، فيكون الضمير في
يَسْطُرُونَ
لهم ، كأنه قيل : وأصحاب القلم وسطرهم ، أي ومسطوراتهم . وأما إن حملنا القلم على ذلك القلم المعين ، فيحتمل أن يكون المراد بقوله :
وَما يَسْطُرُونَ
أي وما يسطرون فيه وهو اللوح المحفوظ ، ولفظ الجمع في قوله :
يَسْطُرُونَ
ليس المراد منه الجمع بل التعظيم ، أو يكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من الأعمال والأعمار ، وجميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة .
واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه فقال :
[ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 2 إلى 4 ]
ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ( 2 ) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ( 3 ) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( 4 )