فمنهم من قال : هذا حكاية حال الكافر في الآخرة ، قال قتادة : الكافر أكب على معاصي اللّه فحشره اللّه يوم القيامة على وجهه ، والمؤمن كان على الدين الواضح فحشره اللّه تعالى على الطريق السوي يوم القيامة ، وقال آخرون : بل هذا حكاية حال المؤمن والكافر والعالم والجاهل في الدنيا ، واختلفوا أيضا فمنهم من قال : هذا عام في حق جميع المؤمنين والكفار ، ومنهم من قال : بل المراد منه شخص معين ، فقال مقاتل : المراد أبو جهل والنبي عليه الصلاة والسلام ، وقال عطاء عن ابن عباس : المراد أبو جهل وحمزة بن عبد المطلب وقال عكرمة هو أبو جهل وعمار بن ياسر .
البرهان الثاني : على كمال قدرته قوله تعالى :
[ سورة الملك ( 67 ) : آية 23 ]
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 23 )
اعلم أنه تعالى لما أورد البرهان أولا من حال سائر الحيوانات ، وهو وقوف الطير في الهواء ، أورد البرهان بعده من أحوال الناس وهو هذه الآية ، وذكر من عجائب ما فيه حال السمع والبصر والفؤاد ، ولقد تقدم شرح أحوال هذه الأمور الثلاثة في هذا الكتاب مرارا فلا فائدة في الإعادة ، واعلم أن في ذكرها هاهنا تنبيها على دقيقة لطيفة ، كأنه تعالى قال : أعطيتكم هذه الإعطاءات الثلاثة مع ما فيها من القوى الشريفة ، لكنكم ضيعتموها فلم تقبلوا ما سمعتموه ولا اعتبرتم بما أبصرتموه ، ولا تأملتم في عاقبة ما عقلتموه ، فكأنكم ضيعتم هذه النعم وأفسدتم هذه المواهب ، فلهذا قال :
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
وذلك لأن شكر نعمة اللّه تعالى هو أن يصرف تلك النعمة إلى وجه رضاه ، / وأنتم لما صرفتم السمع والبصر والعقل لا إلى طلب مرضاته فأنتم ما شكرتم نعمته البتة .
البرهان الثالث : قوله تعالى :
[ سورة الملك ( 67 ) : آية 24 ]
قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 )
اعلم أنه تعالى استدل بأحوال الحيوانات أولا ثم بصفات الإنسان ثانيا وهي السمع والبصر والعقل ، ثم بحدوث ذاته ثالثا وهو قوله :
هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ
واحتج المتكلمون بهذه الآية على أن الإنسان ليس هو الجوهر المجرد عن التحيز والكمية على ما يقوله الفلاسفة وجماعة من المسلمين لأنه قال :
قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ
فبين أنه ذرأ الإنسان في الأرض ، وهذا يقتضي كون الإنسان متحيزا جسما ، واعلم أن الشروع في هذه الدلائل إنما كان لبيان صحة الحشر والنشر ليثبت ما ادعاه من الابتلاء في قوله :
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ
[ الملك : 2 ] ثم لأجل إثبات هذا المطلوب ، ذكر وجوها من الدلائل على قدرته ، ثم ختمها بقوله :
قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ
ولما كانت القدرة على الخلق ابتداء توجب القدرة على الإعادة لا جرم قال بعده :
وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
فبين بهذا أن جميع ما تقدم ذكره من الدلائل إنما كان لإثبات هذا المطلوب .
واعلم أنه تعالى لما أمر محمدا صلى اللّه عليه وسلم بأن يخوفهم بعذاب اللّه حكى عن الكفار شيئين أحدهما : أنهم طالبوه بتعيين الوقت . وهو قوله تعالى :