الآية ، وقوله تعالى :
لَمْ يَحْمِلُوها
أي لم يؤدوا حقها ولم يحملوها حق حملها على ما بيناه ، فشبههم والتوراة في أيديهم وهم لا يعملون بها بحمار يحمل كتبا ، وليس له من ذلك إلا ثقل الحمل من غير انتفاع مما يحمله ، كذلك اليهود ليس لهم من كتابهم إلا وبال الحجة عليهم ، ثم ذم المثل ، والمراد منه ذمهم فقال :
بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ
أي بئس القوم مثلا الذين كذبوا ، كما قال :
ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ
[ الأعراف : 177 ] وموضع الذين رفع ، ويجوز أن يكون جرا ، وبالجملة لما بلغ كذبهم مبلغا وهم أنهم كذبوا على اللَّه تعالى كان في غاية الشر والفساد ، فلهذا قال :
بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ
والمراد بالآيات هاهنا الآيات الدالة على صحة نبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وهو قول ابن عباس ومقاتل ، وقيل : الآيات التوراة لأنهم كذبوا بها حين تركوا الإيمان بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وهذا أشبه هنا
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
قال عطاء : يريد الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء وهاهنا مباحث :
البحث الأول : ما الحكمة في تعيين الحمار من بين سائر الحيوانات ؟ نقول : لوجوه منها : أنه تعالى خلق
الْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً
والزينة في الخيل أكثر وأظهر ، بالنسبة / إلى الركوب ، وحمل الشيء عليه ، وفي البغال دون ، وفي الحمار دون البغال ، فالبغال كالمتوسط في المعاني الثلاثة ، وحينئذ يلزم أن يكون الحمار في معنى الحمل أظهر وأغلب بالنسبة إلى الخيل والبغال ، وغيرهما من الحيوانات ، ومنها : أن هذا التمثل لإظهار الجهل والبلادة ، وذلك في الحمار أظهر ، ومنها : أن في الحمار من الذل والحقارة مالا يكون في الغير ، والغرض من الكلام في هذا المقام تعيير القوم بذلك وتحقيرهم ، فيكون تعيين الحمار أليق وأولى ، ومنها أن حمل الأسفار على الحمار أتم وأعم وأسهل وأسلم ، لكونه ذلولا ، سلس القياد ، لين الانقياد ، يتصرف فيه الصبي الغبي من غير كلفة ومشقة . وهذا من جملة ما يوجب حسن الذكر بالنسبة إلى غيره ومنها : أن رعاية الألفاظ والمناسبة بينها من اللوازم في الكلام ، وبين لفظي الأسفار والحمار مناسبة لفظية لا توجد في الغير من الحيوانات فيكون ذكره أولى .
الثاني :
يَحْمِلُ
ما محله ؟ نقول : النصب على الحال ، أو الجر على الوصف كما قال في « الكشاف » إذ الحمار كاللئيم في قوله :
ولقد أمر على اللئيم يسبني * [ فمررت ثمة قلت لا يعنيني ]
الثالث : قال تعالى :
بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ
كيف وصف المثل بهذا الوصف ؟ نقول : الوصف وإن كان في الظاهر للمثل فهو راجع إلى القوم ، فكأنه قال : بئس القوم قوما مثلهم هكذا .
ثم إنه تعالى أمر النبي صلى اللَّه عليه وسلم بهذا الخطاب لهم وهو قوله تعالى :
[ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 6 إلى 7 ]
قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 7 )
هذه الآية من جملة ما مر بيانه ، وقرئ : فتمنوا الموت بكسر الواو ، و
هادُوا
أي تهودوا ، وكانوا يقولون نحن أبناء اللَّه وأحباؤه ، فلو كان قولكم حقا وأنتم على ثقة فتمنوا على اللَّه أن يميتكم وينقلكم سريعا إلى