بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم
سورة التغابن
( ثمان عشرة آية مكية )
[ سورة التغابن ( 64 ) : آية 1 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 )
وجه التعلق بما قبلها ظاهر لما أن تلك السورة للمنافقين الكاذبين وهذه السورة للمنافقين الصادقين ، وأيضا تلك السورة مشتملة على بطالة أهل النفاق سرا وعلانية ، وهذه السورة على ما هو التهديد البالغ لهم ، وهو قوله تعالى :
يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
وأما الأول بالآخر فلأن في آخر تلك السورة التنبيه على الذكر والشكر كما مر ، وفي أول هذه إشارة إلى أنهم إن أعرضوا عن الذكر والشكر ، قلنا : من الخلق قوم يواظبون على الذكر والشكر دائما ، وهم الذين يسبحون ، كما قال تعالى :
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
، وقوله تعالى :
لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ
معناه إذا سبح للَّه ما في السماوات وما في الأرض فله الملك وله الحمد ، ولما كان له الملك فهو متصرف في ملكه والتصرف مفتقر إلى القدرة فقال :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وقال في « الكشاف » : قدم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اختصاص الملك والحمد باللَّه تعالى وذلك لأن الملك في الحقيقة له لأنه مبدئ لكل شيء ومبدعة والقائم به والمهيمن عليه ، وكذلك الحمد فإن أصول النعم وفروعها منه ، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء ، وحمده اعتداد بأن نعمة اللَّه جرت على يده ، وقوله تعالى :
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
قيل : معناه وهو على كل شيء إرادة قدير ، وقيل : قدير يفعل ما يشاء بقدر ما يشاء لا يزيد عليه ولا ينقص . وقد مر ذلك ، وفي الآية مباحث :
الأول : أنه تعالى قال في الحديد :
سَبَّحَ
[ الحديد : 1 ] والحشر والصف كذلك ، وفي الجمعة والتغابن
يُسَبِّحُ لِلَّهِ *
فما الحكمة فيه ؟ نقول : الجواب عنه قد تقدم .
البحث الثاني : قال في موضع :
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ *
[ الحشر : 1 ] وفي موضع / آخر
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الحديد : 1 ] فما الحكمة فيه ؟ قلنا : الحكمة لا بد منها ، ولا نعلمها كما هي ، لكن نقول : ما يخطر بالبال ، وهو أن مجموع السماوات والأرض شيء واحد ، وهو عالم مؤلف من الأجسام الفلكية والعنصرية ، ثم الأرض من هذا المجموع شيء والباقي منه شيء آخر ، فقوله تعالى :
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
بالنسبة إلى هذا الجزء من المجموع وبالنسبة إلى ذلك الجزء منه كذلك ، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال ، قال تعالى في بعض السور كذا وفي البعض هذا ليعلم أن هذا العالم الجسماني من وجه شيء واحد ، ومن وجه شيئان بل أشياء كثيرة ، والخلق في المجموع غير ما في هذا الجزء ، وغير ما في