محبوبا لذاته ، والكمال محبوب لذاته ، فإن من اعتقد أن فلانا الذي كان قبل هذا بألف سنة كان موصوفا بعلم أزيد من علم سائر الناس مال طبعه إليه وأحبه شاء أم أبى ، ومن اعتقد في رستم أنه كان موصوفا بشجاعة زائدة على شجاعة سائر الناس أحبه شاء أم أبى ، فعلمنا أن الكمال محبوب لذاته وكمال الكمال للّه تعالى ، فاللّه تعالى محبوب لذاته ، فمن لم يحصل في قلبه محبته كان ذلك لعدم علمه بكماله ، وأما التكميل فهو أن الجواد محبوب والجواد المطلق هو اللّه تعالى فالمحبوب المطلق هو اللّه تعالى ، والتبتل المطلق لا يمكن أن يحصل إلا إلى اللّه تعالى ، لأن الكمال المطلق له والتكميل المطلق منه ، فوجب أن لا يكون التبتل المطلق إلا إليه ، واعلم أن التبتل الحاصل إليه بسبب كونه مبدأ للتكميل مقدم على التبتل الحاصل إليه بسبب كونه كاملا في ذاته ، لأن الإنسان في مبدأ السير يكون طالبا للحصة فيكون تبتله إلى اللّه تعالى بسبب كونه مبدأ للتكميل والإحسان ، ثم في آخر السير يترقى عن طلب الحصة كما بينا من أنه يصير طالبا للمعروف لا للعرفان ، فيكون تبتله في هذه الحالة بسبب كونه كاملا فقوله :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
إشارة إلى الحالة الأولى التي هي أول درجات المتبتلين وقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
إشارة إلى الحالة الثانية التي هي منتهى درجات المتبتلين ومنتهى أقدام الصديقين ، فسبحان من له تحت كل كلمة سر مخفي ، ثم وراء هاتين الحالتين مقام آخر ، وهو مقام التفويض ، وهو أن يرفع الاختيار من البين ، ويفوض الأمر بالكلية إليه ، فإن أراد الحق به أن يجعله متبتلا رضي بعدم التبتيل لا من حيث إنه عدم التبتيل ، بل من حيث إنه مراد الحق ، وهاهنا آخر الدرجات ، وقوله :
فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
إشارة إلى هذه الحالة ، فهذا ما جرى به القلم في تفسير في هذه الآية ، وفي الزوايا خبايا ، ومن أسرار هذه الآية بقايا
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
[ لقمان : 27 ] .
المسألة الثانية :
رَبُّ
فيه قراءتان إحداهما : الرفع ، وفيه وجهان : أحدهما : على المدح ، والتقدير هو رب المشرق ، فيكون خبر مبتدأ محذوف ، كقوله :
بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ
[ الحج : 72 ] وقوله :
مَتاعٌ قَلِيلٌ *
[ آل عمران :
197 ] أي تقلبهم متاع قليل والثاني : أن ترفعه بالابتداء ، وخبره الجملة التي هي ،
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
، والعائد إليه الضمير المنفصل ، والقراءة الثانية : الخفض ، وفيها وجهان : الأول : على البدل من
رَبِّكَ
[ المزمل : 8 ] والثاني : قال ابن عباس : على القسم بإضمار حرف القسم كقولك . اللّه لأفعلن وجوابه :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
كما تقول واللّه لا أحد في الدار إلا زيد ، وقرأ ابن عباس رب المشارق والمغارب .
أما قوله :
فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
فالمعنى أنه لما ثبت أنه لا إله إلا هو لزمك أن تتخذه وكيلا / وأن تفوض كل أمورك إليه ، وهاهنا مقام عظيم ، فإنه لما كانت معرفة أنه لا إله إلا هو توجب تفويض كل الأمور إليه دل هذا على أن من لا يفوض كل الأمور إليه ، فإنه غير عالم بحقيقة لا إله إلا هو ، وتقريره أن كل ما سواه ممكن ومحدث ، وكل ممكن ومحدث ، فإنه ما لم ينته إلى الواجب لذاته لم يجب ، ولما كان الواجب لذاته واحدا كان جميع الممكنات مستندة إليه ، منتهية إليه وهذا هو المراد من قوله :
فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا
وقال بعضهم :
وَكِيلًا
أي كفيلا بما وعدك من النصر والإظهار .
[ سورة المزمل ( 73 ) : آية 10 ]
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ( 10 )