تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 683

مساهمون:

ص٦٨٣
الواجب ، لأنه تعالى قال :
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ
فمن قرأ نصفه وثلثه بالخفض كان المعنى أنك تقوم أقل من الثلثين ، وأقل من النصف ، وأقل من الثلث ، فإذا كان الثلث واجبا كان عليه السلام تاركا للواجب ، قلنا : إنهم كانوا يقدرون الثلث بالاجتهاد ، فربما أخطئوا في ذلك الاجتهاد ونقصوا منه شيئا قليلا فيكون ذلك أدنى من ثلث الليل المعلوم بتحديد الأجزاء عند اللّه ، ولذلك قال تعالى لهم :
عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ
[ المزمل : 20 ] ، الوجه الثاني : أن يكون قوله :
نِصْفَهُ
تفسيرا لقوله :
قَلِيلًا
وهذا التفسير جائز لوجهين الأول : أن نصف الشيء قليل بالنسبة إلى كله والثاني : أن الواجب إذا كان هو النصف لم يخرج صاحبه عن عهدة ذلك التكليف بيقين إلا بزيادة شيء قليل عليه فيصير في الحقيقة نصفا وشيئا ، فيكون الباقي بعد ذلك أقل منه ، وإذا ثبت هذا فنقول :
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
معناه قم الليل إلا نصفه ، فيكون الحاصل : قم نصف الليل ، ثم قال :
أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا
يعني أو انقص من هذا النصف نصفه حتى يبقى الربع ، ثم قال :
أَوْ زِدْ عَلَيْهِ
يعني أو زد على هذا النصف نصفه حتى يصير المجموع ثلاثة أرباعه ، وحينئذ يرجع حاصل الآية إلى أنه تعالى خيره بين أن يقوم تمام النصف ، وبين أن يقوم ربع الليل ، وبين أن يقوم ثلاثة أرباعه ، وعلى هذا التقدير يكون الواجب الذي لا بد منه هو قيام الربع ، والزائد عليه يكون من المندوبات والنوافل ، وعلى هذا التأويل يزول الإشكال الذي ذكرتم بالكلية لأن قوله :
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ
[ المزمل : 20 ] يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يقم ثلثي الليل ، ولا نصفه ولا ثلثه لأن الواجب لما كان هو الربع فقط لم يلزم من ترك قيام الثلث ترك شيء من الواجبات ، فزال السؤال المذكور ، واللّه أعلم . قوله تعالى :
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
قال الزجاج : رتل القرآن ترتيلا ، بينه تبيينا ، والتبيين لا يتم بأن يعجل في القرآن ، إنما يتم بأن يتبين جميع الحروف ، ويوفي حقها من الإشباع ، قال المبرد : أصله من قولهم : ثغر رتل إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير ، وقال الليث : الترتيل تنسيق الشيء ، وثغر رتل ، حسن التنضيد ، ورتلت الكلام ترتيلا ، إذا تمهلت فيه وأحسنت تأليفه ، وقوله تعالى :
تَرْتِيلًا
تأكيد في إيجاب الأمر به ، وأنه مما لا بد منه للقارئ . واعلم أنه تعالى لما أمره بصلاة الليل أمره بترتيل القرآن حتى يتمكن الخاطر من التأمل في حقائق تلك الآيات ودقائقها ، فعند الوصول إلى ذكر اللّه يستشعر عظمته وجلالته ، وعند الوصول إلى الوعد والوعيد يحصل الرجاء والخوف ، وحينئذ يستنير القلب بنور معرفة اللّه ، والإسراع في القراءة يدل على عدم الوقوف على المعاني ، لأن النفس تبتهج بذكر الأمور الإلهية الروحانية ، ومن ابتهج بشيء أحب ذكره ، ومن أحب شيئا لم يمر عليه بسرعة ، فظهر أن المقصود من الترتيل إنما هو حضور القلب وكما المعرفة .

[ سورة المزمل ( 73 ) : آية 5 ]

إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ( 5 ) ذكروا في تفسير الثقيل وجوها أحدها : وهو المختار عندي أن المراد من كونه ثقيلا عظم قدره وجلالة خطره ، وكل شيء نفس وعظم خطره ، فهو ثقل وثقيل وثاقل ، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء :
قَوْلًا ثَقِيلًا
يعني كلاما عظيما ، ووجه النظم أنه تعالى لما أمره بصلاة الليل فكأنه قال : إنما أمرتك بصلاة الليل لأنا سنلقي عليك قولا عظيما ، فلا بد وأن تسعى في صيرورة نفسك مستعدة لذلك القول العظيم ، ولا يحصل ذلك الاستعداد إلا بصلاة الليل ، فإن الإنسان في الليلة الظلماء إذا اشتغل بعبادة اللّه تعالى وأقبل على