أما على من هو مثله فظاهر ، وأما على الأراذل فلأنهم يلجئون إلى واحد منهم ويدفعون به الآخر ، فيصير كل واحد برأسه ، فكأن الإرسال إليهم جميعا ، وأما فرعون فكان قاهرا يقهر الكل ، وجعلهم بحيث لا يخالفونه في قليل ولا كثير ، فأرسل اللّه إليه الرسول وحده ، غير أنه كان عنده جماعة من التابعين المقربين مثل قارون تقدم عنده لماله العظيم ، وهامان لدهائه ، فاعتبرهم اللَّه في الإرسال ، حيث قال : في مواضع :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ
[ الزخرف : 46 ] وقال تعالى :
بِآياتِنا
. . .
إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ
[ غافر :
23 ، 24 ] وقال في العنكبوت :
وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى
[ العنكبوت : 39 ] لأنهم إن آمنوا آمن الكل بخلاف الأقوام الذين كانوا قبلهم وبعدهم ، فقال :
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ
وقال كثيرا مثل هذا كما في قوله :
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
[ غافر : 46 ] ،
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ
[ غافر : 28 ] وقال : بلفظ الملأ أيضا كثيرا .
المسألة الثانية : قال :
وَلَقَدْ جاءَ
ولم يقل في غيرهم جاء لأن موسى عليه السلام ما جاءهم ، كما جاء المرسلون أقوامهم ، بل جاءهم حقيقة حيث كان غائبا عن القوم فقدم عليهم ، ولهذا قال تعالى :
فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ
وقوله تعالى :
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
[ التوبة : 128 ] حقيقة أيضا لأنه جاءهم من اللَّه من السماوات بعد المعراج ، كما جاء موسى قومه من الطور حقيقة .
المسألة الثالثة : النذر إن كان المراد منها الإنذارات وهو الظاهر ، فالكلام الذي جاءهم على لسان موسى ويده تلك ، وإن كان المراد الرسل فهو لأن موسى وهارون عليهما السلام جاءه وكل مرسل تقدمهما جاء لأنهم كلهم قالوا ما قالا من التوحيد وعبادة اللَّه وقوله بعد ذلك :
كَذَّبُوا بِآياتِنا
من غير فاء تقتضي ترتب التكذيب على المجيء فيه وجهان أحدهما : أن الكلام تم عند قوله :
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ
وقوله :
كَذَّبُوا
كلام مستأنف والضمير عائد إلى كل من تقدم ذكرهم من قوم نوح إلى آل فرعون ثانيهما : أن الحكاية مسوقة على سياق ما تقدم ، فكأنه قال : ( فكيف كان عذابي ونذر وقد كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم ) ، وعلى الوجه الأول آياتنا كلها ظاهرة ، وعلى الوجه الثاني المراد آياته التي كانت مع موسى عليه السلام وهي التسع في قول أكثر المفسرين ، ويحتمل أن يقال : المراد أنهم كذبوا بآيات اللَّه كلها السمعية والعقلية فإن في كل شيء له آية تدل على أنه واحد . وقوله تعالى :
فَأَخَذْناهُمْ
إشارة إلى أنهم كانوا كالآبقين أو إلى أنهم عاصون يقال : أخذ الأمير فلانا إذا حبسه ، وفي قوله :
عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ
لطيفة وهي أن العزيز المراد منه الغالب لكن العزيز قد يكون [ الذي ] يغلب على العدو ويظفر به وفي الأول يكون غير متمكن من أخذه لبعده إن كان هاربا ولمنعته إن / كان محاربا ، فقال أحد غالب لم يكن عاجزا وإنما كان ممهلا . ثم قال تعالى :
[ سورة القمر ( 54 ) : آية 43 ]
أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ( 43 )
تنبيها لهم لئلا يأمنوا العذاب فإنهم ليسوا بخير من أولئك الذين أهلكوا وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الخطاب مع أهل مكة فينبغي أن يكون كفارهم بعضهم وإلا لقال : أنتم خير من أولئكم ، وإذا كان كفارهم بعضهم فكيف قال :
أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ
ولم يقل : أم لهم كما يقول القائل : جاءنا الكرماء فأكرمناهم ، ولا يقول : فأكرمناكم ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن المراد منه أكفاركم المستمرون