الحجارة قال اللّه تعالى :
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ
[ الحجر : 74 ] وقال تعالى عن الملائكة :
لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ
[ الذاريات : 33 ] فالمرسل عليهم ليس بحاصب فكيف الجواب عنه ؟ نقول :
الجواب من وجوه الأول : أرسلنا عليهم ريحا حاصبا بالحجارة التي هي الحصباء وكثر استعمال الحاصب في الريح الشديدة فأقام الصفة مقام الموصوف ، فإن قيل : هذا ضعيف من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأن الريح مؤنثة قال تعالى :
بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ
[ الحاقة : 6 ] ،
بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
[ يونس : 22 ] وقال تعالى :
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ
[ ص : 36 ] وقال تعالى :
غُدُوُّها شَهْرٌ
[ سبأ : 12 ] وقال تعالى في :
[ وَأَرْسَلْنَا ] الرِّياحَ لَواقِحَ
[ الحجر : 22 ] وما قال لقاحا ولا لقحة ، وأما المعنى فلأن اللّه تعالى بين أنه أرسل عليهم حجارة من سجيل مسومة عليها علامة كل واحد وهي لا تسمى حصباء ، وكان ذلك بأيدي الملائكة لا بالريح ، نقول : تأنيث الريح ليس حقيقة ولها أصناف الغالب فيها التذكير كالإعصار ، قال تعالى :
فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ
[ البقرة : 266 ] فلما كان حاصب حجارة كان كالذي فيه نار ، وأما قوله : كان الرمي بالسجيل لا بالحصباء ، وبأيدي الملائكة لا بالريح ، فنقول : كل ريح يرمي بحجارة يسمى حاصبا ، وكيف لا والسحاب الذي يأتي بالبرد يسمى حاصبا تشبيها للبرد بالحصباء ، فكيف لا يقال في السجيل . وأما الملائكة فإنهم حركوا الريح وهي حصبت الحجارة عليهم الجواب الثاني : المراد عذاب حاصب وهذا أقرب لتناوله الملك والحساب والريح وكل ما يفرض الجواب الثالث : قوله :
حاصِباً
هو أقرب من الكل لأن قوله :
إِنَّا أَرْسَلْنا
يدل على مرسل هو مرسل الحجارة وحاصبها ، فإن قيل : كان ينبغي أن يقول حاصبين ، نقول لما لم يذكر الموصوف رجح جانب اللفظ كأنه قال شيئا حاصبا إذ المقصود بيان جنس العذاب لا بيان من على يده العذاب ، وهذا وارد على من قال : الريح مؤنث لأن ترك التأنيث هناك كترك علامة الجمع هنا .
المسألة الثانية : ما رتب الإرسال على التكذيب بالفاء فلم يقل : كذبت قوم لوط بالنذر فأرسلنا كما قال :
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ
[ القمر : 11 ] لأن الحكاية مسوقة على مساق ما تقدم من الحكايات ، فكأنه قال :
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ *
[ القمر : 30 ] كما قال من قبل ثم قيل : لا علم لنا به وإنما أنت العليم فأخبرنا ، فقال :
إِنَّا أَرْسَلْنا
.
المسألة الثالثة : ما الحكمة في ترك العذاب حيث لم يقل :
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي *
كما قال في الحكايات الثلاث ، نقول : لأن التكرار ثلاث مرات بالغ ، ولهذا
قال صلى اللّه عليه وسلم : « ألا هل بلغت ثلاثا »
و
قال : « فنكاحها باطل باطل باطل »
والإذكار تكرر ثلاث مرات فبثلاث مرار حصل التأكيد وقد بينا أنه تعالى ذكر :
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي *
في حكاية نوح للتعظيم وفي حكاية ثمود للبيان وفي حكاية عاد أعادها مرتين للتعظيم والبيان جميعا واعلم أنه تعالى ذكر :
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي *
في ثلاث حكايات أربع مرات فالمرة الواحدة للإنذار ، والمرات الثلاث للإذكار ، لأن المقصود حصل بالمرة الواحدة ، وقوله تعالى :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ *
[ الرحمن : 13 ] ذكره مرة للبيان وأعادها ثلاثين مرة غير المرة الأولى كما أعاد :
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ *
ثلاث مرات غير المرة / الأولى فكان ذكر الآلاء عشرة أمثال ذكر العذاب إشارة إلى الرحمة التي قال في بيانها
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها
[ الأنعام : 160 ] وسنبين ذلك في سورة : الرحمن .
المسألة الرابعة :
إِلَّا آلَ لُوطٍ
استثناء مما ذا ؟ إن كان من الذين قال فيهم :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً